عطف الأجداد الزائد يضعف حزم الآباء

علماء النفس يوكلون مهمة التربية للآباء وينصحون الأجداد بالتدليل المقنن.
الأربعاء 2020/03/25
دعم نفسي وعاطفي

إذا كان الآباء يعيشون مع الأبناء الحياة بحلوها ومرها فإن الأجداد يعيشون مع الأحفاد الحياة بحلوها فقط ويبالغون في تدليلهم ويتغاضون عن أخطائهم وهو ما يعتبره الآباء مصدرا لإزعاجهم وتدخلا في طريقة تربية أبنائهم.

تونس - يعاني الآباء ضغوطا يومية نتيجة مشاغل الحياة المتعددة ما يجعلهم غير قادرين على تخصيص وقت أطول للعناية بأبنائهم ويفقدون رحابة صدرهم تجاه المشاكل التي يكون الأبناء مصدرها، في المقابل يتمتع الأجداد برحابة صدر كبيرة تجعلهم قادرين على احتواء أحفادهم والحنو عليهم إذا ما قسا عليهم آباؤهم.

ويؤكد علماء النفس أن علاقة الأجداد بالأحفاد أقوى من علاقة الآباء بأبنائهم وأمتن منها، ويرجعون ذلك إلى قدرة التحمل التي يمتلكها الأجداد نتيجة خبرتهم بالحياة، ما يجعلهم قادرين على تمضية وقت أكبر مع أحفادهم، لكن العطف الزائد للأجداد قد يضعف حزم الآباء.

ويرى الآباء أن تربيتهم لأبنائهم تعتمد على المسؤولية والحزم فلا يتوانون عن الصراخ في وجوههم ومعاقبتهم وتوبيخهم إذا أخطأوا وهو ما لا يقبله الجدان، مما ينتج بعض المشاكل بين الطرفين.

وبينت الاستشارية الأسرية كاترين شاهين أنه لا يوجد أجداد هدفهم إفساد تربية الأحفاد، مشيرة إلى أن حنوهم على أحفادهم والمبالغة في تدليلهم دافعه الحب.

وقالت شاهين إن ما يجذب الطفل للجدين هو تدليلهما له وأن ما يحبه الأطفال هو عاطفة الأجداد التي تمنع الوالدين من معاقبة أبنائهم.

وأضافت أن الطفل يرفض نصيحة والديه أحيانا عندما تكون مرفوقة بالتوبيخ ويقبلها من الأجداد لأنها تأتيهم بحب ومودة. ويجد الأحفاد في الأجداد حضنا دافئا يزودهم بالأمان ويغذي لديهم شعور الحب والانتماء.

كما أن السلطة التي تربط الآباء بالأبناء تختلف عن تلك التي تربط الأجداد بالأحفاد من منظور علم النفس، فإذا كانت الأولى تقويمية فإن الثانية استشارية عاطفية، ويرجع علماء النفس ذلك إلى أن الوقت الذي يمضيه الأجداد مع الأحفاد خلال العطل والمواسم والأعياد يقوي الروابط بين الطرفين ويغذي عاطفة الاشتياق بينهم ولا يخلق فرصا للمشاحنات أو التباغض.

وأفاد المختصون أن الأجداد يعتبرون الأحفاد امتدادا لهم ولسلالتهم ومصدر فخر واعتزاز فيغدقون في تدليلهم ويوفرون لهم نوعا من الثراء العاطفي والنفسي، مشيرين إلى أنه عندما ينتقل الوالدان من دور الأم والأب إلى دور الجد والجدة تتغير وظيفتهما ويصبح هدفهما تقديم الحب والحنان لأطفالهما عوض رعايتهم.

ويثمن علماء النفس دور الأجداد في حياة الأحفاد حيث تكون عاطفتهم مكملة لعاطفة الأهل، كما أن الأحفاد يملأون فراغ الأجداد نتيجة تراجع نشاطهم العملي وتقدمهم في السن.

ويعتبر عدد من الآباء أنهم يعقدون صفقة ناجحة مع أهلهم إذا كلفوهم برعاية أطفالهم، فالأحفاد يشغلون وقت الجدين خاصة إذا كانا وحيدين، وفي مقابل ذلك يوفران مكانا آمنا لأحفادهما ويوفران مصاريف دور الحضانة للأبوين.

الأجداد يعتبرون الأحفاد امتدادا لهم ولسلالتهم ومصدر فخر واعتزاز  فيفرطون في تدليلهم ويوفرون لهم نوعا من الثراء العاطفي والنفسي

وأفاد المختصون بأنه في مقابل عنف الآباء وشدتهم نتيجة تعرضهم للضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية يتصرف الأجداد الذين زالت عنهم الضغوط مع أحفادهم بروية وتعقل، مما يخلق نوعا من التوازن النفسي للأطفال، لكن قد يصل اهتمامهم بهم حدّ التدليل الزائد والمفرط وعدم مصارحة آبائهم بأفعالهم ما ينتج عن ذلك بعض المشاكل الأسرية.

ويرفض بعض الآباء تدخل الأجداد في تربية أبنائهم بحجة أنهم يفسدون تربيتهم ويصفون تدخلهم بالسلبي، ويرى محمد رفقي عضو هيئة التدريس بكلية التربية في جامعة الكويت أن بعض الآباء يرفضون أن يتدخل الأجداد في تربية أبنائهم.

وأوضح أنه من الممكن في حالة التصالح مع الذات الاستفادة من الأجداد لتحقيق بعض الأهداف، مشيرا إلى أن الأجداد يجدون متعة في تربية أبناء أبنائهم.

كما يشير إلى أن الأجداد يصعب عليهم أن يكونوا ذوي سلطة وفجأة يفقدونها، مؤكدا أن التقاعد الأسري مدعاة للاضطرابات النفسية تماما مثل التقاعد الوظيفي.

ويضيف أن بعض الأزواج يعتبرون اهتمام الأجداد بالأبناء تدخلا في صلاحيتهم ما يعني استمرار الولاية عليهم والحاجة إلى دعم خارجي، فيُنتج ذلك صراعا بين الطرفين، ويمكن أن يستغل الأطفال ذلك الصراع لفائدتهم فيلجأون إلى الطرف الذي ينافس الطرف الآخر على الاهتمام بهم ويزيدون من توتير الأجواء عن غير قصد.

ومن جهته يرى عبداللطيف خليفة عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس في جامعة الكويت أنه من الممكن التفاهم حول الاختلاف بين الآباء والأجداد في ما يخص تربية الأحفاد، موكلا مهمة تربية الأبناء إلى الآباء ومهمة الرعاية النفسية والمشورة والتدليل المقنن إلى الأجداد.

وأشار خليفة إلى أن قرب الأحفاد من الأجداد أمر طبيعي ومن المفروض ألا يقلق الأبناء من ذلك، مؤكدا على ضرورة معالجة الأمر مع الأبناء سواء بالعقاب أو الثواب بعيدا عن الأجداد لأنهم لا يفضلون سياسة العقاب في التعامل مع الأحفاد، مشددا على ضرورة أن يدرك الآباء أن تدليل الأجداد لأحفادهم نابع من حبهم لهم.

وينصح استشاريو التربية الأسرية في حال حدوث اختلاف بين الأبناء والأجداد حول تربية الأحفاد أن يكون النقاش بعيدا عن الأبناء وأن يكون التفاهم مع الجدين باللين حتى لا ينزعج الأبناء ولا يتضايقوا ولا يكتئبوا.

ويشير الاستشاريون إلى أن الأجداد عادة ما يكونون أفضل من المعينات المنزليات في رعاية الأبناء ويعتبرونهم أكثر حرصا عليهم من الغرباء، مؤكدين على أن الأحفاد يتعلمون من أجدادهم العادات والتقاليد وأصول التربية السليمة وهو ما لن يحصلوا عليه في بقائهم مع الغرباء.

ونبه باحثون في قسم علم الاجتماع بجامعة بوسطن الأميركية إلى أن وجود الأجداد في حياة الأطفال يتخطى مسألة مدّهم بالعاطفة والشعور بالأمان، ليؤثر بشكل مباشر على صحتهم النفسية في صغرهم وفي سن متقدمة من عمرهم، لافتين إلى أن وجود الأجداد يقي الأحفاد من الإصابة بالاضطرابات النفسية التي قد تؤثر بشكل مباشر على خياراتهم ومسار حياتهم.

وتوصّل الباحثون إلى أن الأطفال الذين يمضون وقتا طويلا مع أجدادهم تكون حياتهم سليمة، خالية من الاضطرابات والمشكلات النفسية في كامل مراحل حياتهم ويكون التوتر والإجهاد أقل تأثيرا عليهم من أقرانهم الذين لم يعيشوا بالقرب من أجدادهم.

21