عفلق وسيف الدولة وقطب ويكن: الثورة في الفكر العربي المعاصر

الأحد 2014/08/10
الاحتفاء بالثورة في الكتابات العربية كان بذورا أثمرت الربيع العربي

"الثورة في الفكر العربي المعاصر" كتاب مرشد القبّي يتناول مصطلح الثورة واهتمام المفكرين العرب به، خاصة في الربع الثالث من القرن العشرين، وقد تجلى هذا الاهتمام في تواتر مفردة “الثورة” ومشتقاتها في عناوين الكتب والمقالات والدراسات ومحتواها.

والكتاب من إصدار المركز الثقافي العربي بيروت 2014. ويقع في 240 صفحة من القطع الكبير. ولعل ما عزز هذا الاحتفاء بالثورة في الكتابات هو بروز نخب عسكرية تسلمت الحكم بعد أن قامت بانقلاب أطاح بالنظام السابق لها في أكثر من دولة عربية كسوريا والعراق ومصر وليبيا ، ووسمت النخب السياسية الجديدة انقلابها على الأنظمة السابقة بـ”الثورة” هذا أثر على منظور المفكر العربي للثورة مفهوما وإجراء.

ويبحث المؤلف في موضوع الثورة من خلال نماذج لمفكرين عرب من عدة تيارات عربية معروفة كالتيار القومي والتيار الإسلامي الحركي والتيار الماركسي.


الثورة في التصور القومي


يختار المؤلف نموذجين لشخصيتين فكريتين تبنّتا الفكر القومي العربي بشقيه البعثي والناصري، هما ميشيل عفلق وعصمت سيف الدولة الأول من خلال كتابه “في سبيل البعث” والثاني من خلال كتابه “نظرية الثورة العربية”.

يتبين للمؤلف من خلال الشروط التي يعرضها عفلق وسيف الدولة على أفراد النخبة أن المضمون الأساسي لهذه النخبة العربية التقدمية هو مضمون عقائدي فكري أكثر مما هو مضمون اجتماعي اقتصادي، فهي لا تمثل قوى اجتماعية أو فئة معينة أو طبقة لها تطلعات ومصلحة في التغيير المرتقب حتى تكون قادرة فعلا على دفع التغيير الثوري إلى مداه بفاعلية ونجاح.

إن شكل الوحدة الذي يتطلع إليه عفلق وسيف الدولة لا يعبر بحسب المؤلف عن حداثة الرؤية السياسية رغم تمسكهما بوحدة أرقى مما تحقق في تاريخ العرب القديم فبالإضافة إلى أن هذه الوحدة المنشودة تتقيد بالنموذج الكلاسيكي للقوميات الذي ساد في أوروبا في القرن الـ19، فإنها تقترن في ذهن المفكرين بمبدأ الوحدة في التماثل” لا “الوحدة في التنوع″ فهما يحاولان التقليل من أهمية التميز الثقافي والعرقي الذي يلاحظ بداهة في كثير من أجزاء الوطن العربي في شمال العراق ولبنان ومصر وفي جنوب الجزائر والمغرب والسودان.. فهذا التنوع كأنه يقترن في ذهنهما بإذكاء التعصب والفتنة والطائفية فيحتد بذلك تداعي الواقع المجزّأ، في حين أنه كان بالإمكان النظر إليه على أنه تميز محفز على الإثراء والإخصاب، بعيدا عن محاولات الصهر القسري في بوتقة العروبة.

إن شكل الوحدة الذي يتطلع إليه عفلق وسيف الدولة لا يعبر بحسب المؤلف عن حداثة الرؤية السياسية رغم تمسكهما بوحدة أرقى مما تحقق في تاريخ العرب القديم

ويصف المؤلف تصور الفكر القومي العربي من خلال سيف الدولة وعفلق بأنه محدود “الثورية” فرفض النظام القائم لا يبدو قاطعا إلا فيما يتصل بالتجزئة والتدخل الأجنبي وما يتبعهما من تخلف واستغلال.


الإسلام الحركي


يتناول المؤلف شخصيتين فكريتين إسلاميتين تنتميان إلى تنظيم “الإخوان المسلمين” هما سيد قطب وفتحي يكن، الأول من خلال كتابه “معالم في الطريق” والثاني من خلال “الإسلام فكرة وحركة وانقلاب” فيرى في كتاب “معالم في الطريق” أنه يهتم بالتأسيس النظري لثورة الإسلام على أوضاع الجاهلية كما يرى سيد قطب، بينما كتاب “الإسلام فكرة وحركة وانقلاب” لفتحي يكن يميل إلى التوضيح والتسيير التطبيقي لفكرة “الانقلابية الإسلامية” وذلك بتقديمه الإسلام مشروعا للانقلاب مع إبراز خصائصه الانقلابية المميزة وفاعليتها، كما يراها، مقارنا إياها بالثورات والحركات الانقلابية الأخرى ذات المرجعية القومية أو الماركسية تلك التي عجزت في تقديره عن تحقيق التغيير المرجوّ، ويهتم يكن أيضا بالتأريخ للحركة الإسلامية ولأهم إنجازاتها الفعلية فكرا أو ممارسة، مبشرا بما يمكن أن تقوم به هذه الحركة في إطار ما يسميه مشروع “الانقلابية الإسلامية” المطلوبة.

يناقش المؤلف النقد الموجه للواقع العربي الإسلامي تمهيدا لرفضه، من قبل قطب ويكن، ويرى أنه يبدو نقدا طوباويا وغير منسجم مع هذا الواقع وشروطه، ويظهر ذلك في إطلاقه أحكاما معيارية على كل مستويات الوجود المحيط بهما، يستمدانها من مرجعية دينية متمثلة في موقف الإسلام من الفترة السابقة له، تلك التي يرميها بالسفه وغياب الحلم والرشاد الإلهي، ويعتمد المفكران الإسلاميان في إطلاق هذه الأحكام آلية قياس تقفز على أربعة عشر قرنا من الزمن وتتجاهل منطق التحول التاريخي وأثره في تثبيت أنماط متجددة ومتحولة من التعقل والتنظيم الاجتماعي والضبط السلوكي للأفراد والجماعات، ويرى أن تركيز ممثلي التيار الحركي على إبراز مظاهر الانحراف العقائدي والفكري فيه قد صرفهما عن النظر بشكل عميق وموضوعي في ما تعانيه أغلب الفئات الاجتماعية من عوز مادي وتردي الظروف المعيشية، وغياب فرص العيش اللائق وما تعانيه الفئات الشبابية من ضيق الآفاق وانحسار فرص التعليم الناجح الذي يمكنهم من الكفاءات اللازمة لإيجاد فرص عمل لائقة، قادرة على تحسين مستواهم المعيشي ومستوى الأوساط التي ينتمون إليها، وهذه الفئات ما يفتأ عددها ينمو بشكل لافت للنظر في كل البلاد العربية والإسلامية.

الفكر القومي العربي محدود "الثورية"


التصور الماركسي


يتناول المؤلف الثورة في التصور الماركسي من خلال شخصيتين فكريتين تتبعان المنهج الماركسي في موضوع الثورة في الوطن العربي هما عبدالله العروي من خلال كتابه “العرب والفكر التاريخي” و” طيب تيزيني من خلال كتابه “من التراث إلى الثورة”.

الكتابان يعدان امتدادا لموجة الكتابات النقدية التي اكتسحت ساحة الفكر العربي إثر هزيمة عام 1967، وأبرزت رغبة المثقفين العرب عموما والماركسيين خصوصا في تثوير الأوضاع القائمة، انطلاقا من نقد التراث وتعرية أسباب الوهن في الجسم العربي والكشف عن مواطن العجز التي حالت دون تحقيق التنمية والعدالة والتحرر من التبعية، تلك الشعارات التي رفعتها الأنظمة التي وسمت توجهاتها بالثورية وفشلت في تحويلها إلى واقع ملموس في حياة الجماهير العربية.

يشدد العروي في كتابه “العرب والفكر التاريخي” على أن أزمة المجتمع العربي كامنة في أزمة مثقفيه، بينما طيب تيزيني فإنه في كتابه “من التراث إلى الثورة” يولي اهتماما بالغا بالمسألة التراثية، مؤكدا أن البنية الأيديولوجية العربية السائدة بمختلف اتجاهاتها ونزعاتها قاصرة عن فهم التراث العربي، وعاجزة عن إدراك مضمونه التقدمي القادر على تثوير البنى الذهنية والاجتماعية العربية.

ولا يرى المؤلف عند عبدالله العروي وطيب تيزيني بديلا شاملا مكتمل العناصر يؤسس لما يكون عليه المجتمع العربي بعد نجاح الثورة المرتقبة، إذ طغى على ذلك اهتمامهما بإبراز حتمية الثورة والتوسع في مبرراتها وشروطها، انطلاقا من نقد الأوضاع القائمة اجتماعيا وأيديولوجيا، ومع ذلك فإننا نظفر في مواطن شتى من الكتابين بإشارات تستشرف ملامح ما بعد إنجاز الثورة، وتقرّب لنا صورة البديل في خطوطه العامة.

ويمكن أن نسجل اختلافهما في تصور هذا البديل نفسه، إذ يؤسس العروي لبديل يبدو لنا مؤقتا أو مرحليا طالما أن الثورة الثقافية إن نجحت فإنها تهيئ للثورة الاجتماعية، أما تيزيني فإن البديل الذي يتطلع إليه يبدو متصلا ببعض ملامح المجتمع الاشتراكي المأمول.

ولا ينسى المؤلف- في ختام كتابه- أن يبدي ملاحظة هامة حول كتابات المفكرين الستة من التيارات الفكرية العربية المعروفة، القومي- الإسلامي- الماركسي، مفادها أن المسار التعبوي الذي توخاه المفكرون الستة تحاشى في الغالب المواجهة المباشرة مع الأنظمة الحاكمة وأجهزتها، وأن خطابهم قد مال إلى ضرب من الإطلاق والتعميم، ولم يتجه إلى فضح أساليب الاستبداد والقمع التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة في مختلف البلدان العربية وتعريتها، لخلق كل محاولة تحرك أو بوادر انتفاضة أو عمل ثوري يهدد وجودها، بل بدا لنا الرهان السياسي في المواجهة الثورية المرتقبة ثاويا في طيات واجهة علنية كالواجهة الدينية عند الإسلاميين، ولم ترد لديهم إدانة ممارسات الأنظمة غالبا إلا على وجه التلميح.

ويتطرق المؤلف- في ملحق خاص- إلى ثورات “الربيع العربي” ويخص الثورة التونسية كمثال وأنموذج عن هذه الثورات، ويرى أن المحاولات متواترة الظهور في توصيف أحداث “الربيع العربي” والثورة التونسية على وجه خاص لا تخرج في عمومها عن موقفين: موقف أول يرى ما حصل ثورة، وموقف ثان يبدي تحفظا بالغا من ذلك ويميل إلى اعتباره انتفاضة واعتبر الكثير من الكتاب والمفكرين الحدث التونسي ثورة (ياسين الحاج صالح- الطاهر لبيب) لاعتبارات عديدة منها توسع نطاق الاحتجاجات وعنصر السرعة في الإسقاط والمفاجأة ومنهم من عده ثورة بسبب عدم الوقوع في الثالوث البغيض انقلاب عسكري وتدخل أجنبي وتطرف ديني كما ذهب إلى ذلك محمد الحداد.

15