عفوا أيتها الحرب

الاثنين 2015/05/25

ليس بالأمر اليسير أن تكتب عن الحرب وأنت تعيشها، وأنت في خضمها، تعيشها بكل التفاصيل تقريباً.

لا شك أن الكتابة من الداخل، ولا أقصد تحديداً هنا البعد الجغرافي فثمة من هم خارج الوطن أكثر التصاقاً وعمقاً واقتراباً من أشخاص كثر هنا يعيشون بيننا، ويتنفسون ذات الهواء بغباره ودخانه، أقول لا شك أن الكتابة من الداخل كرديف موضوعي وذاتي للموت أو الخوف، هو مغاير تماماً عن الكتابة من الخارج البعيد، فكيف يمكنك أن تتخيل رصاصة تمر فوق رأسك، أو قذيفة سقطت على بعد أمتار من خطواتك، أو كيف يمكنك أن تتخيل أن تقودك جهة مجهولة أو معلومة إلى جهةٍ مجهولة أو معلومة، أو كيف يمكنك أن تتخيل أن تموت بانفجار طائش ويصير جسدك هباء منثورا.

الحرب ليست كفيلم سينمائي نشاهده ونتألم لضحاياه، ثم نذهب إلى أسرّتنا ونحلم ونفكر بالغد وبأحلام اليوم التالي. الحرب ليست كنشرة أخبار نتابعها عن بلدٍ آخرٍ وشعب آخر، أو كمقال نقرأه على عجالةٍ من يومنا المزدحم بأشغالنا وأحلامنا، الحرب من خلف الشاشات الأنيقة والثلاثية الأبعاد، هي غيرها تماماً حين ما تعيشها على الأرض في كل لحظة وفي كل ثانية، أنت الذي اعتدت أن تسمع وتشاهد وتتابع حروب الآخرين، ها هي الآن حربٌ تخاض على أرضك وقرب بيتك، وداخل جهازك العصبي، ولا شيء يمنعها أن تدخل عليك وتباغتك، وأنت تعد العشاء،وأنت تصلي، أو وأنت تغني لطفلك قبل النوم.

الحرب وآثارها الجانبية، التي قلما تذكر في وسائل الإعلام المختصة بأرقام الضحايا، الخوف حين يداهمك بأعلى مستوياته، الكوابيس التي تطاردك أثناء نومك المتقطع، الخوف الذي قد ينجم عن أي صوت مرتفع يأتي فجأة من أي مكان كطرقٍ مباغت وسريع على باب بيتك، هذا إن بقي لديك بيت.

ماذا بوسعك أن تكتب عن هذا المرض العضال الذي أصاب جسد الوطن وروحه، وهل بوسعك فعلاً أن تقول رأيك، هذا إن بقي لديك رأي تقوله وتعلنه على الملأ. تحمل كوابيسك وأحزانك و أنت تعبر الشوارع المقطعة بالحواجز، بوسعك أن تنسى أي شيء في البيت إلا بطاقتك الشخصية، بوسعك أن تنسى تاريخك ومستقبلك وأحلامك وعمرك، الذي يضيع هباءً، إلا هذه القطعة الصغيرة المصنوعة من البلاستك ومن مادة سرية عصية على الاكتشاف في أعتى المختبرات، إنه حزنك السوري حزنك العميق الغائر الذي لا يظهر في نشرات الأخبار وعناوين الصحف.

ليس بالأمر السهل أن تكتب عن الحرب، تخاف أن تعطي رأيك برصاصةٍ في طريقها إليك، تخاف أن يساء فهمك، إذا ما صرخت، أو تخدم أعداء الأمة من دون قصدٍ إذا ما بكيت، أو تزعج الشهداء الذين قد تصبح في أي لحظةٍ بينهم، إذا ما عبرت عن رغبتك بالرحيل. الجبهات مشتعلة، لا وقت الآن للحديث في القضايا الثانوية،لا وقت للهوامش، لا وقت إلا لهذا المتن الذي يغرز كل يوم سيوفه في جسد الوطن.

شاعر و كاتب من سوريا

14