عقابيل داعش

الخميس 2017/01/19

الشيخ علي الحاتم كان يهدد الحكومة من الرمادي عام 2013. يقول “عندنا سلاح لا تحمله الشاحنات، وأتحدى الجيش أن يصل الأنبار”، ويضيف “لم يعد عندنا ‘دشاديش’ للجنود العراقيين”. وبدأت جثث الجنود تطفو بنهر الفرات، حتى صرح النائب فائق الشيخ علي حينها بأن مقبرة النجف أحصت 3 آلاف جندي من الأنبار، وقال إذا أخذنا بالحسبان مقبرة كربلاء والكاظمية فيمكن أن يكون عدد القتلى في عمليات الأنبار وحدها 5 آلاف جندي. هذا قبل داعش.

وخرج حينها رجل من الفلوجة قبل أن تسقط بيد داعش يقول إنه مع الشيخ علي الحاتم وعنده رشاش مرتبط بشريط رصاص طويل يتحدى به الجيش العراقي أن يدخل المدينة. يقول “عندنا رصاص لا نهاية له”. هل هذا كلام سياسي، أم كلام مجموعة تريد أن تحرق البلاد؟

الشيخ سعيد اللافي قال من ساحات الاعتصام “لا نريد عبدالزهرة في الأنبار”. كيف لا يشتعل العراق ويتشرد الأطفال؟ وبعدها هرب الشيخ علي الحاتم إلى شمال العراق والشيخ أحمد أبوريشة صار صحوة. قصتنا غير مشرفة وتحتاج إعادة نظر.

شعراء شعبيون من محافظة الناصرية ذهبوا إلى الأنبار ومدحوا الأمير علي الحاتم بقصائد شعر، وهو جالس مثل هارون الرشيد. وطلبوا منه إنهاء المشكلة والتفاوض مع الحكومة، لكن أصابه الغرور، وظن أن الناصرية تفتقر إلى الشجاعة بكل أسف وليسوا رجالا حريصين على البلاد من دمار الحروب.

رفض الشيخ علي الحاتم دعوة مباشرة على الهواء حينها على قناة العربية من شخصية سياسية مؤثرة مثل عزة الشاهبندر للتفاوض ببغداد، ولكنه ظهر في ما بعد في حلقة بائسة للاتجاه المعاكس مع فيصل القاسم والزميل علاء الخطيب في قطر. لم يبق سوى داعش، ويقولون داعش لا يمثلنا ولا يمثل المذهب السني. هذا مذهب عجيب لا أحد يمثله الكل يتهرب منه، لا نعرف من هو السني مثلا؟ الجهر بالإسلام بدأ بحمزة بن عبدالمطلب حين أخبر قريش علنا بأنه على دين محمد. الشيعة عندهم رجال نافذون يقولون علنا إنهم على المذهب الشيعي. المشكلة المنفرة هي أن السنة ليس عندهم زعيم واحد يقول إنه على المذهب السني. كل نشاطهم السياسي مخابراتي.

في سوريا 300 ألف قتيل ولا شهيد منهم جعلوا منه رمزا، لا أسماء لهم وكأنهم فئران ماتت في تجربة أنبوب غاز طبيعي. لماذا لا يطلقون شارعا باسمهم ولا مستشفى، بينما الشيعة جعلوا من الشيخ نمر النمر رمزا مثله مثل محمد باقر الصدر.

صدام حسين كان يقول العراقي يجب أن يقاتل “يكاون”، إذا لم يجد مَن “يتكاون” معه “يتكاون” مع نفسه. من الحرب على إيران باسم العروبة، إلى احتلال الكويت، إلى حرب على شيعة العراق باسم الجهاد والتوحيد، والمرحلة الأخيرة ربما هي حرب محلية “يتكاون” السني مع السني. هذا سيحدث بعد داعش إذا استمر الحال على ما هو عليه اليوم.

السود في أميركا لا يتحرشون بالبيض لأن رد الشرطة يكون قاسيا. معظم العنف والجرائم تكون بين السود أنفسهم. وهذه طبيعة المجتمع المقموع إذا لم يستطع تفريغ العنف إلى الخارج، يفرغه نحو نفسه. الأسود لا يستطيع أن يصبح أبيض ولكن السني يستطيع التحول إلى شيعي، وهذا جوهر الانقلاب الاجتماعي إذا لا تتحرك الدول العظمى وتحارب إيران، أو ضرب مصالح الشيعة في المنطقة.

لقد حققت إيران انتصارات كبيرة حتى الآن. الحكومة الشيعية العراقية لم تسمح لتركيا بالتدخل في معركة الموصل، فكيف تسمح بتدخل دول أخرى؟ كما ساعدت أميركا العرب في تحرير الكويت تساعد اليوم حلفاءها الشيعة على تحرير الموصل. فاحتلال صدام حسين للكويت واحتلال داعش للموصل يعتبر الشيء ذاته.

العراق ليس مركزا للإسلام السني. وإذا المراكز التاريخية لهذا الإسلام غير مهتمة بالموضوع فإن سنة العراق لا طاقة لهم بالخطر الإيراني؟ ليس عندهم حكم ويعيشون من الراتب، والحاكم شيعي.

البعض متفائل بدونالد ترامب ويعتقد بأنه سيرجع البعثيين ويطرد الشيعة عملاء المجوس. وهذا التفاؤل موضع شك كبير.

الخبر الجيد الوحيد بالنسبة إلى العراق هو أن ترامب غير مهتم بالديمقراطية، من الممكن جدا أن يشجع حكما عسكريا في العراق. فهو يقول صراحة إنه غير مهتم بدكتاتورية بشار الأسد وبطشه. ربما دكتاتور شيعي مثل الجنرال عبدالوهاب الساعدي يفي بالغرض وتستقر البلاد.

لا تحتاج الحكومة العراقية اليوم إلى تبرع من دولة الكويت لبناء جامعة الموصل التي أحرقها داعش. الدولة العراقية تبرعت مؤخرا بشحنة بترولية تصل قيمتها إلى 60 مليون دولار شهريا إلى مصر، وقد تصل إلى مئة مليون دولار، فما حاجة دولة بهذه القدرات إلى تبرعات؟

لماذا رفضت بغداد أي مساعدة عسكرية من تركيا بتحرير الموصل؟ لأنه لو تدخل الجيش التركي لا تستفيد الحكومة شيئا، بالعكس سيزداد ارتباط الموصل بتركيا وسيقول السنة إن الجيش الشيعي “الجبان” هرب من داعش بينما الجيش “السني” التركي طردهم شر طردة. وهذا سيزيد من انقسام العراق والمطالبة بالانقسام.

ثم إن معركة بين الجيش التركي وداعش لا تحتاج تفكيرا وليس فيها جهد عاطفي عند السنة. الجهد العاطفي الذي نشعر به ونبذله لنصرة الشيعة والسلطان الشيعي على التطرف السني هو بحد ذاته وحدة العراق، أي أنه “تشيع” قلبي خطير.

الجنرال السعودي أحمد عسيري يتحدث عن خطة لتحرير الموصل، لا علم للجنرال العراقي عبدالوهاب الساعدي قائد الفرقة الذهبية التي حررت شرق الموصل وتوشك على الوصول إلى نهر دجلة بها، ما هذه الخطة؟ عبدالوهاب الساعدي قال لرجل أعدم داعش زوجته وابنه “لا تستغث بالدول العربية، نحن هنا موجودون”.

الخلاصة هي أن النقـد السني كان منصبـا على فشـل الشيعة بالحكم وليـس على المطالبة بحقوق. يعني الصراع على الحكم. وعلينا في المـرحلة القادمة أن نقرر هل نحن انقلابيون أم طلاب إصلاحات وحقوق؟ الشيخ علي الحاتم حين قاد الاعتصامات في الأنبار عام 2012 لم يكن يعرف ما يريد حقا، هل هو مفاوض أم محرض على العنف ويمهد للدواعش. لقد أرسلت له رسائل حينها بالاستعانة بالمثقفين، لكنه كما يبدو كان مسيرا في عملية خارجة عن إرادته وانتهت بتخريب المدن السنية.

وعقابيل داعش، على سنة العراق التفكير بقصيدة محمد مهدي الجواهري “عقابيل داء” التي قال فيها:

عقابيلُ داءٍ ما لهُنَّ مطبَّبُّ* ووضعٌ تغشَّاهُ الخَنا والتذَبذُبُ

كاتب عراقي

8