عقاب الشقيق الأرعن ضرورة أخلاقية

الخميس 2014/02/20

أما وقد بذل قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كل ما يمكنهم من جهود لاستعادة “الشقيق” الأصغر والأرعن، وتحملوا من الأذى ما يضيق به حلم الحليم، فقد حان وقت العقاب.

لم يكن إعطاء الفرصة تلو الفرصة لـ”الشقيق” الذي سيطرت عليه مراهقته السياسية نابعاً من سذاجة أو جهل بمقاصده ونواياه، بل كان رغبة صادقة في أن يقف المراهق لحظة واحدة ويسأل نفسه: ماذا أفعل؟ ولأي هدف؟

ولم يكن التغاضي مرة بعد مرة عن كذبه المفضوح ومراوغاته الصبيانية وحتى مؤامراته المكشوفة للجميع ناجماً عن عدم التنبه إلى خطرها، بل كان رهاناً على أن جانباً خيِّراً ما يمكن أن يتحرك ليواجه النزعة الشيطانية التي سيطرت على الصغير النزق فأعمته، لكن هذا- للأسف- لم يحدث.

حين يقترب هذا “الشقيق” الأخرق من مخازن البارود، ويعبث بعيدان الكبريت غافلاً أو مستمتعاً بإزعاج الكبار، يكون “كسر أصابعه” إنقاذاً له هو نفسه من شر نفسه. وقد حان وقت كسر الأصابع.

بوضوح، فقد كرست قطر الثروات التي يُفترض أن تُستخدم للتنمية ورفاهية الشعب القطري وخيره، في إشعال الحرائق من حولها، وزعزعة الاستقرار في كل مكان تطوله مخالبها.

ففي البحرين تتولى “الجزيرة” و”الجزيرة إنترناشيونال” تقديم صورة مشوهة للأوضاع، وتتولى الأموال القطرية شراء “مؤسسات” حقوق الإنسان الجاهزة للاستلقاء على سرير من يدفع أكثر لتغذية الفتنة القائمة بالوقود اللازم لها، في سعي محموم إلى تفجير البلد العربي الخليجي من داخله. إنه ليس وقت الصبر، بل وقت الصفع، لمن لم يراع للأخوة والجيرة والمواثيق المشتركة عهداً.

في الكويت، تفتش الأيدي القطرية عن صدوع تنفذ منها، فتلتقط من على أرصفة التسول والبغاء السياسي شذاذ آفاق يستغلون مناخ الحرية السائد، ويفتشون في قمامة الفكر ليستخرجوا بقايا عفنة من كل ما يدعم الشقاق والصدام والكراهية، والإساءة إلى الكويت وأميرها ورموزها. فإلام نترك هذه الأيدي الآثمة طليقة تواصل التخريب والعبث؟

في الإمارات تحاول أذناب قطرية أن توفر للتنظيم المحظور دعماً لوجستياً وإعلامياً، وتقدم له منصات للحركة وإطلاق الشائعات والأكاذيب.

وفي السعودية تتولى ماكينة إعلامية مدفوعة الأجر فبركة قصص الإساءة للعمالة الأثيوبية، وتلفيق الفيديوهات والتقارير المسيئة، وشراء ما يتيسر من أتباع “الإسلام السياسي” أفراداً وجماعات لاستغلالهم ضد وطنهم.

ألا يستحق الذيل غير النظيف أن يُقطع؟ وعلى حدود مجلس التعاون، تتدفق الأموال القطرية على اليمن، لا لتواجه الفقر والمرض وتردي الخدمات التعليمية والصحية، وإنما لتوفير الأسلحة للحوثيين، حلفاء إيران، ليصبحوا ورماً خبيثاً على غرار “حزب الله” الذي اختطف لبنان، وليمنع اليمن من أن يكون دولة حقيقية لها أية فرصة في التطور والنمو، وليكوّن الحوثيون دولتهم اللقيطة “حليفة إيران” بين السعودية واليمن وتتحول إلى لغم جاهز للانفجار في أية لحظة لحصد المزيد من الأرواح ونشر المزيد من البؤس في بلد عربي لا تنقصه الكوارث.

وفي سوريا يختار الممول القطري أكثر الجماعات إرهاباً ووحشية ليمدها بالمال والسلاح، ويوفر لها قنوات لاجتذاب المهووسين بالقتل من كل أنحاء الدنيا، لتتواصل مأساة الشعب السوري الذي يحاصره مصاصو الدماء من كل الجوانب.

وفي الأراضي الفلسطينية تمنع الأموال القطرية المصالحة التي طال انتظارها، وتغذي عوامل الفرقة بين الفلسطينيين، وتشتري “حماس” لتجعل منها قاعدة لدعم الإرهابيين في سيناء، ومحطة لإرسال الانتحاريين إلى كل أنحاء مصر التي تخصص قطر عشرات المليارات لهدمها وتخريبها وتغذية الفوضى فيها.

وعلى تخوم المنطقة وعبر حدودها تنفق قطر بسفاهة على تشكيل محور الشر والإجرام الذي يضم إلى جانبها تركيا المسكونة بوهم “السلطنة العثمانية”، وحركات “الإخوان المسلمين” وفروعها في الدول العربية، التي لم يعد لها من هم إلا شن حرب إرهابية على الدول والمجتمعات، بعد أن ظهر وجهها القبيح بسرعة، ولفظتها الشعوب العربية حين اكتشفت أنها ستدمر كيان الدولة ذاته في كل مكان تقبض على الحكم فيه بالخديعة والتآمر.

هذه بعض كوارث “الشقيق” الأخرق ومصائبه، فهل هناك أي معنى للانتظار؟ وهل زاده الصبر عليه إلا مزيداً من استسهال العبث والإجرام، بكل ما في الكلمة من معنى؟

ومن ثم، فإن الضرورة الأخلاقية تفرض علينا أن العقاب يجب أن يكون سريعاً وموجعاً. لم يعد سراً أن وزراء خارجية مجلس التعاون قد اجتمعوا في الكويت ليتخذوا إجراء طال انتظاره، بطرد “الشقيق” الجانح من مجلس التعاون، أو تعليق عضويته فيه، وقد وصل أمير قطر فجأة إلى الاجتماع دون أن يدعوه أحد، فتلقى ما ينبغي من توبيخ. ولجأ كعادته إلى التسويف والوعود التي لن يفي بها، وتعهد بأنه سيوقف تمويله للإرهاب والإرهابيين، وسيبعد المصريين الهاربين الذين يديرون عمليات التفجير وقتل السياح في مصر، ويلقي بالقرضاوي وبعض صبيانه إلى مقلب القمامة الذي يليق بهم.

لقد أصبحت اللعبة القطرية سمجة ومثيرة للاشمئزاز، وكنا نتمنى لأمير قطر أن يُجلّ مقامه عن هذه البهلوانيات والصغائر التي لا تليق، ويشق علينا أن نقول ذلك.

والحقيقة أن التهديد لم يعد له معنى، وأن وقت اتخاذ إجراءات فعلية قد حان، وهي إجراءات يجب أن تكون بحجم الجرائم والكوارث التي شرحنا بعض ملامحها أعلاه.

في إطار المناورات الصغيرة، تزعم القيادة القطرية أن مراكز قوى متجذرة في دوائر صنع القرار داخل الدوحة هي من يواصل مثل هذه السياسات المدمرة. وفضلاً عن أن العذر أقبح من الذنب، وأنه اعتراف بالضعف والتضارب وتعدد مراكز القرار- وهو حديث أولى به أن يكتم- فإن مثل هذا التبرير، يجعل اتخاذ إجراءات عقابية قاسية طريقة لمساعدة القيادة القطرية المهزوزة الفاقدة للسيطرة على التخلص من مراكز القوى القديمة.

إن تجميد عضوية قطر في مجلس التعاون وجامعة الدول العربية قد يساعدها على التخلص من سرطان الإخوان المسلمين الذي اختطفها، وتحكّم في مفاصل صنع القرار بها، وحولها إلى دولة مارقة تهدد دول الخليج العربية، ومعول هدم وتدمير بدلاً من أن تكون قوة استقرار وبناء.

إن العقوبات التي يجب فرضها على قطر هي في الحقيقة استنقاذ لها من مصير لا يعلمه إلا الله. وقد نُشرت أخبار عن أن المملكة العربية السعودية توشك أن تتخذ إجراءات مثل إغلاق الحدود البرية، ومنع استخدام المجال الجوي السعودي في عمليات النقل من قطر وإليها، وتجميد اتفاقات تجارية بين البلدين، وإيقاف رخصة الخطوط الجوية القطرية بتدشين خطوط نقل جوية بين مدن سعودية. وهناك إجراءات أخرى من جانب دول الخليج العربية تجري مناقشتها لإيقاف العبث القطري، كفيلة بأن تنبه الغافلين إلى خطورة ما يفعلونه. هذا أول الغيث، وهذه أولى الخطوات التي تأخرت طويلاً، لاعتبارات تتعلق بقيم خليجية نعتز بها ونحرص عليها، حتى لو لم يفهم بعض الصغار ذلك.


كاتب إماراتي

8