عقاب صقر مبشرا بمشاركة حزب الله في معركة جرود عرسال

الجمعة 2017/07/14

يطل النائب المستقبلي عقاب صقر إعلاميا لينتشل الجماهير الغارقة في قاع الإحباط، راسما جملة من المعادلات بطريقته الخاصة، التي يحرص فيها على التفريق الدقيق بين المفاهيم المختلفة التي قد تبدو للوهلة الأولى شديدة التقارب.

لعل أبرز جهود النائب الشاب كما تجلت مؤخرا تتمثل في التفريق بين فساد حزب الله المتمثل في سلاحه، وبين حضور الحزب في مؤسسات الدولة الذي قد لا يكون منطويا على فساد.

السلاح هو الفساد إذن ولكن يمكن لما يجري تحته أن لا يخضع لشروط الفساد التي يفرضها هذا السلاح. قد يكون السؤال الذي يمكن أن يطرح انطلاقا من هذه المقاربة الصقرية هو هل فرض سلاح حزب الله الهندسات المالية المتواصلة التي يجريها حاكم مصرف لبنان والتي منحت في دفعتها الأولى أرباحا خيالية للمصارف تقدر بـ5.5 مليار دولار وها هو اليوم يستعد لاطلاق حزمة جديدة من هندساته المالية بقيمة 4 مليارات دولار.

هل سلاح الحزب هو الذي دفع إلى الترويج لمثل هذه السياسة الاقتصادية التي يجمع الخبراء الاقتصاديون على توصيفها بأنها مدخل لتدمير بنى الاقتصاد اللبناني لصالح المجموعات السياسية المتحكمة بالمصارف والتي يقف على رأسها المستقبل والتيار الوطني الحر.

هل بات سلاح حزب الله ضرورة سياسية لتيار المستقبل في هذه الفترة لتبرير الشراكة في الفساد، والتي ترسم معالمها بوصفها نوعا من التحول الجديد في صفوفه، والأسس التي تقوم عليها العملية الانتقالية من اعتماد سياسة المراعاة والمحاباة إلى سياسة المصالح والحسابات.

لا شك أن السياسة لا بد لها أن تقوم على خطاب المصالح والحسابات، ولكن المفارقة أنه حتى في ظل هذا المعيار فإن المقايضة بين الأمن والاقتصاد التي يجريها المستقبل مع الحزب والتي تتغطى بسلاحه لتبرير كم كبير من التنازلات المجانية لم تنتج أي نوع من أنواع الضبط، بل اتخذت صيغة إطلاق يد الحزب ليس في الأمن وحسب، بل في السياسة والفساد.

هكذا لم يعد سلاح حزب الله قضية لبنانية أساسا، إذ سمحت له التفاهمات التي أجراها مع خصومه السياسيين بأن يخرجه من التداول اللبناني ويحوله إلى السلاح الذي يحارب في شتى بقاع الأرض من أجل حماية لبنان. لم يعد هذا السلاح مضطرا إلى الظهور كي يحقق الأثر المطلوب لأن عملية الإخضاع التي يفترض أن يُستعمل في سبيل فرضها على الآخرين لم تتم وتنجز وحسب، بل تحولت إلى الشكل الذي تتحرك السياسة اللبنانية عموما على أساسه.

وفي اللحظة التي بات فيها الحزب غير محتاج إلى إشهار سلاحه في الداخل اللبناني بات إشهار هذا السلاح هو الخطاب الذي يلجأ إليه عقاب صقر لتبرير سياسة المستقبل وإسكات منتقديها، ما يجعل أي مراقب يؤمن أن مطلب بقاء سلاح حزب الله إنما يقع في صلب التفاهمات التي سبقت الاتفاق على تشكيل الحكومة وتأجيل الانتخابات النيابية لفترة تناهز العام.

طفت على سطح التصريحات العقابية معادلة الهجوم عليه للتغطية على مشاركة حزب الله في معركة جرود عرسال. هنا تنفتح أبواب الجحيم على مصاريعها الكثيرة فكأن هناك استباقا أو إيحاء بأن هذه المشاركة باتت في حكم الواقع وأن النائب المقرب من رئيس الحكومة يقول اللهم إني بلغت وحسب.

أخطر ما في هذه المعادلة أنها جاءت بعد أن أطلق السيد حسن نصرالله تصريحاته التي تقول إنها المرة الأخيرة التي سيتحدث فيها عن جرود عرسال، ما يمكن تفسيره بأن قرار الحسم واختيار توقيت المعركة هما في يده وليسا في يد الجيش اللبناني الذي كان قد اجتهد في إغراقه بسيل من المدائح المسمومة.

بعد ذلك تأتي تصريحات النائب المستقبلي لتصب في إطار يقيم معادلة سوريالية توازي بين شن حملة عليه وبين فعل التغطية على مشاركة حزب الله في معركة الجرود، بمعنى أن المشركة لا بد واقعة، وأنه لا الحكومة ولا الجيش اللبناني ولا تيار المستقبل وتصريحاته الرافضة لأي مشاركة للحزب في هذه المعركة قادرة ليس على تغيير هذا الواقع وحسب، بل حتى على النقاش فيه.

يعلن السيد نصرالله انطلاق معركة الجرود ويتبعه عقاب صقر ولكن لا أحد يجرؤ على الإشارة إلى البعد المتمثل في الدعوات إلى التنسيق مع النظام السوري والتي لا تشكل قضية اللاجئين سوى المدخل المموه لفتحها، إذ أن البعد الأمني والعسكري يشكل الهدف الفعلي لها.

معنى الاعتراف بالتنسيق مع النظام السوري الذي يطالب به حزب الله، والذي لن يستطيع أحد منعه من تحويله إلى أمر واقع بعد تكريس مشاركة الحزب في معركة جرود عرسال يكمن في فرض مشاركة الجيش السوري في المعركة انطلاقا من الامتدادات السورية لجرود عرسال وصولا إلى الداخل اللبناني.

ليس مستبعدا أن تغض المنظومة الدولية والأميركية النظر عن مشاركة حزب الله في المعركة على غرار التعامل مع الحشد الشعبي في العراق، مع الإبقاء على حالة عدم الاعتراف به ووضع راعيه الإيراني في دائرة العقوبات.

ما يبغيه الحزب ليس أكثر من ذلك إذ أنه يؤمّن له ظروف إنتاج سيناريو الكارثة الذي طالما كان يتغذى منه وينمو بواسطته.

ملامح هذا السيناريو الذي يبشرنا عقاب صقر بأن حزب الله يهاجمه للتغطية عليه تتألف من جملة المشاهد التالية: دخول الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية في هيئة محارب الإرهاب، دفع المسلحين في الجرود إلى قلب قرية عرسال واختلاطهم بأهل القرية وبالنازحين السوريين فيها، مجزرة مفتوحة في صفوف اللاجئين وأهالي عرسال والجيش اللبناني تعيد إنتاج ملامح الأبد الأسدي في لبنان من ناحية وتنهي دور الجيش اللبناني، وتحول كل معارض سوري لبشار الأسد إلى عدو له، وتجعل سلاح الحزب لا يمثل الفساد بل الشرعية الوحيدة التي تمتلك قوة الحقائق البرهانية التي لا يجوز الخوض فيها والنقاش حولها.

كاتب لبناني

6