عقاب معجب الذي أفسد تاريخه

الثلاثاء 2016/05/03

لا تزال الذاكرة تشتعل وتومض كلما تنفست رائحة طفولتي القديمة، لازلت أذكر جيدا حينما كنا نزور القرية في الأعياد، ونلتقي بأبناء وبنات العم الذين لم يغادروا القرية، ويتشبثون بحلم أن يغادروها يوما، لكنهم لا يستريحون للبقاء في المدن، ويكتفون بزيارتها بين حين وآخر، لأنهم يشعرون بأنهم لا يملكون الجرأة باستهلاك احتياط مشاعرهم كما فعلنا نحن، لذا كانوا يشعرون تجاهنا ببعض الأسى وأحيانا ببعض البطولة لأننا لم نتمسك بغلال عواطفنا تجاه القرية، وبدت أحلامنا تتشكل حسب رؤيتهم بأن كل ما أردناه في الحياة أن نصبح من أهل المدن، وهذه هي وجهة نظرهم غير مدركين أننا لم ننتقل إلى المدينة بإرادتنا، فقد كنا مجرد أطفال لا نملك الخيار في أمور حياتنا.

وبعد حبل من السنين، بقينا نحن في المدينة، وبقوا هم في القرية التي تحولت إلى مدينة، يرفضون مغادرتها رغم اتساع آفاق الحياة وتمدنها، وقدرتهم على أن يقضوا حياتهم في أي بلد كان بسبب تراكم ثرواتهم، فالقرية تسهم في تكوين أموالك، وبساطة الحياة فيها لا تتطلب منك ضخ أموالك، كما في المدينة التي تفرض تكوين صورة أنيقة لمعنى التمدن والتحضر، ومجاراة الصخب ومطاردة الموضة أينما كانت.

ما أذكره حتى الآن لعبتنا في الفناء، حينما يبدأ الليل يرخي أطرافه، ويظلل الفراش الضوء، وتبدأ غابات وطقوس افتتاحيات الشعر والأدب والحكايات لدى الكبار، أما نحن الأطفال فإن الليل يعني لنا بداية مرحلة للاكتشافات الكبرى، لعبة يفترض علينا أن نكون تلقائيين فيها، فهي عبارة عن موجة من الأحلام ولكنها في الحقيقة تشكل ما بداخلنا، لو طلبوا منك أن تغير اسمك ما الاسم الجديد الذي ستختاره؟ من يروق لك من أطفال القرية؟ كم دولة تود أن تزورها؟ لو كانت لديك طائرة تسافر بها أينما تشاء من ستأخذ معك؟ وحينما نصل إلى ذلك الفخ من السؤال، لو كانت لديك القـدرة على أن تغير أمـك وأبيك، أي من الأسر ستحب أن تأخذك في حضنها؟

كان هذا هو سؤال بطل المليون، كنا نتوقف عنده طويلاً دون استثناء أحد، نبتلع ريقنا بصعوبة، ونظل نفكر بصورة حقيقية وما نحن إلاّ أطفال، لكن حين نشعر بأن أمي لن تعود هي أمي، وينطبق ذلك على الأب، تهتز مشاعرنا دفعة واحدة، الخيال مر والحقيقة أنه مهما بلغت أخطاء الأم والأب لا نريد أن نغيرهما مهما بدت المغريات والطموحات المستقبلية، رغم أن الأسئلة التي تم طرحها كلها من وحي الخيال، إلا أن مسألة تغيير الوالدين حتى في خيال الطفل، أصعب من أن تقتلع إحدى عينيه من دون مخدر، تغيير الوالدين أمر مخيف ولو كان مجرد حلم، لبرهة ينتابك شعور بالفقدان، افتقاد شيء كنت تملكه طوال سنواتك ولو كانت قصيرة ومعدودة.

تدفقت كل هذه الأفكار بينما كنت أتابع ما جاء في القنوات الفضائية السعودية، عن ضبط الشاب الداعشي عقاب معجب العتيبي ذي التاسعة والعشرين عاما، لتورطه في جريمة تفجير مسجد قوة الطوارئ الخاصة بعسير جنوب المملكة، وقد أوضحت الوزارة أن عقاب العتيبي مرتبط أيضا بجريمة إطلاق النار بقرية الدالوه شرق المملكة، إلى جانب قيامه بأنشطة إرهابية لخلية ضرماء، وجريمة مقتل الشهيد العميد كتاب الحمادي. كل ذلك قام به معجب وهو لا يزال في التاسعة والعشرين من عمره، كان يمكنه أن يختار حياة أكثر ثراء فكرياً ومعنوياً واقتصادياً بدلاً من لعبة السلاح، وهو يظن أن ما قام به هو أكبر إنجاز لعمره القصير، بدد أجمل أيام عمره بلعبة السياسة والقتل، وكنت أتساءل أن الوطن جزء حقيقي من القبيلة، والقبيلة ليست مجرد أفراد يتكاتفوا وقت الشدائد ووقت الأفراح، وإنما القبيلة تشكل النواة الأولى لحياة أي فرد، وهي في الأساس مكونة من الأم والأب، وتساءلت هل لعب عقاب يوما لعبتنا القديمة؟ هل فكر يوما بالعجز الذي واجهناه ودقات قلوبنا تصل إلى آخر بيت في القرية، بمجرد أن طُرح تساؤل إذا ما كنا نستطيع أن نغير آباءنا وأمهاتنا، وحينها أصبحنا كمن أُنزلت عليه الآية الكريمة “وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد”، أي ذلك ما كنت تحاول أن تهرب منه.

اللعبة أدخلتنا إلى عالمنا الحقيقي، بأننا لن نتمكن من تغيير آبائنا وأمهاتنا، مهما بدت المغريات ومهما بدا الأب أو الأم قاسيين أو حتى غير منصفين بين أبنائهم، الشعور بالغربة وبعثرة الحزن على الجسور والأبواب خارج إطار الأب والأم دمرنا نفسيا، لذا لم يرق لنا السؤال، ولم نكن نريد أن نوضع في ذلك الخندق من المشاعر، ولكن يبدو أن عقاب كان من السهل عليه أن يبيع شبابه وتاريخه وتاريخ أسرته وقبيلته أيضا، نتاجا لأفكار مشوشة وضعت داخل رأسه دون أن يفكر بأن ما قام به جريمة لوطنه قبل أن تكون جريمة يدان بها شخصيّا.

كاتبة سعودية

9