عقارب الوقت

رغم أن المحاولات ما زالت مستمرة لتحرير الساعة الخامسة والعشرين من قبضة عقارب الزمن، إلا أن الأمل ضعيف جداً.
السبت 2018/03/31
التغيير هو لعبة الحياة المفضلة

الأسبوع الماضي بدأ التوقيت الصيفي في بريطانيا وسرقت من الناس ساعة نوم إضافية فتلاشت ببساطة وكأنها الساعة “الخامسة والعشرون”، فلم يبق من طقوس ذلك اليوم سوى لحظات كسل بالية في حساب الزمن، على أمل أن يتحسن المزاج قليلاً ويقسر الجسد على تغيير نظامه الشتوي كتلميذ مطيع.

يبدأ التوقيت الصيفي عادةً في الساعة الواحدة صباحاً من يوم الأحد الأخير في شهر مارس، حيث تتم جدولة تحريك الساعة عند اقتراب منتصف ليلة عطلة نهاية الأسبوع، لتفادي تعطيل جداول أيام العمل.

في سنوات بعيدة، اعتاد الناس على التلكؤ في تنفيذ أوامر الصيف؛ بعضهم يعترض أو يسهو، وبعضهم الآخر يتظاهر بالنسيان، لكنهم في جميع الأحوال يخفقون في الانصياع لعقارب الوقت فيسقط اليوم الأول، سهواً ، من فصل الصيف ومن تقويم الزمن؛ يصل أغلب الموظفين في اليوم الأول متأخرين عن موعدهم، كما يلتحق التلاميذ بمدارسهم وفي ملامحهم لا تزال خطوط النعاس الأخيرة ترقص، ثم يمضي اليوم بتكاسل وفتور، حتى يصل الإضراب إلى ربات البيوت حيث تتحول وجبة العشاء الساخنة إلى قرص بيتزا جاهزة محروقة في الفرن أو وجبة سريعة من دكان دجاج يقع في نهاية الشارع.

كالعادة، وجد الناس ضحية مناسبة ليصبوا عليها جام غضبهم بسبب اختراع هذه العادة السنوية السيئة، وكانت التقنية الحديثة في مقدمة المذنبين حيث أفسدت على الناس غفوة صباحية عزيزة على قلوبهم، قبل أن تستيقظ الشمس وتستفحل مسؤوليات النهار التي لا تنتهي.  يصحو الناس على منبه جهاز الهاتف النقال، في ساعة مبكرة، منصاعين لتبدّل التوقيت حيث تكون شبكة الهواتف قد قامت بالمهمة فعلاً في الساعة الثانية عشرة من الليلة الفائتة لإعادة ضبط عقاربها المستترة، وهكذا تقطع الطريق على كل من يفكر في التحايل أو يتعذر بالنسيان كما كان الأمر في الماضي.

صاحب الفكرة الأساسية للتوقيت الصيفي هو العالم الأميركي بنجامين فرانكلين 1784، وكانت ملاحظته القيّمة تهدف في أول الأمر إلى توفير الطاقة، إذ أن الشمس تبدأ بزيادة ساعات ظهورها ابتداء من الربيع حيث يتعين على الناس الاستيقاظ مبكراً للاستفادة من ضوء الشمس في محاولة لحثهم على تقنين استخدام الشموع. مع ذلك، تشير أغلب المصادر إلى أن العام 1907 كان التاريخ الرسمي لاختراع خطة تغيير التوقيت الصيفي، من قبل البريطاني وليام ويليت، البنّاء الذي كان يعشق التجوال في الهواء الطلق وهو يمتطي حصانه، عندما لاحظ  في أحد صباحات الصيف أن ستائر معظم البيوت التي مرّ من أمامها كانت مغلقة في وجه شمس النهار، فاقترح أن يتم تقديم عقارب الوقت ساعة واحدة ليتسنى للناس الاستمتاع بضوء النهار مبكراً.

تصدت لهذا الاقتراح العديد من الأصوات المعارضة والكسولة طبعاً. ثم تبناه الألمان إبان الحرب العالمية الأولى وتحديداً في 16 أبريل 1916 حيث بدأ العمل بالتوقيت الصيفي، وكان الهدف منه تقليل استهلاك الفحم في الطاقة والإنارة، والاستفادة بشكل أكبر من ساعات النهار، تبعتهم بريطانيا وغيرها من دول العالم، وتخللت ذلك فترات من الزمن أُلغي فيها هذا النظام، ثم أعيد العمل به من جديد.

على الأقل كان هناك، على مدى عقود طويلة، من اعترض أو تحايل على تطبيق الفكرة. ورغم أن المحاولات ما زالت مستمرة لتحرير الساعة الخامسة والعشرين من قبضة عقارب الزمن، إلا أن الأمل ضعيف جداً فالتغيير هو لعبة الحياة المفضلة.

21