عقبات كبرى أمام تعديل الدستور الجزائري

الخميس 2014/05/29

العارف بالشأن السياسي الجزائري منذ الاستقلال، يستنتج أن كل شيء يمكن تغييره في البلاد، ما عدا بنية النظام الحاكم نفسه وأجهزته المصفحة بما في ذلك عاداته القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب.

بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأخيرة المثيرة للجدل والتي أفضت في نهاية المطاف إلى بقاء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في منصبه كرئيس للدولة للمرة الرابعة، انطلق ما يدعى بقطار جس النبض لجر الأحزاب الجزائرية الرسمية وبعض التنظيمات وممثليها، وكذلك بعض الأشخاص المقربين من الحكم إلى المشاورات من أجل تعديل دستور 2008. من الملاحظ أن هذا السيناريو يتم تحريكه في ظل التململ السياسي على مستوى هرم السلطة في قصر المرادية، وتلويح ما يسمى “بالتنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي”، برفض المشاركة في إقرار هذا التعديل. في هذا المناخ الرمادي الذي يتميز بغياب الثقة بين جميع الأطراف أعلنت التنسيقية المذكورة آنفا عن موعد عقد ندوتها في العاشر من شهر جوان القادم وذلك بعد مصادقة الشخصيات والأجنحة السياسية المكوَنة لها على الأرضية السياسية المشتركة، وبعد ضبط قائمة المدعوين رسميا للمشاركة فيها.

من المحتمل أن المستقبل المنظور في الجزائر ينذر بكثير من التوقعات التي قد تتمخض عن المناوشات بين قطب السلطة وبين ما يسمى قطب المعارضة، ولكن لا أحد يمكن له تصور أن ما سيحدث سيكون صداما حقيقيا يعطي للشارع الشعبي الفرصة لكي يشكل موقفه ويعلن عن الجهة التي سينحاز إليها. من الواضح أن الخلاف حول تعديل الدستور هو مجرد شكل خارجي لأن المشكل الحقيقي يتعلق أساسا بانعدام حياة سياسية ناضجة ومثمرة في البلاد وذلك منذ تولي الرئيس بوتفليقة لسدة الحكم في البلاد، حيث أنه تمكن- عن طريق استخدام أسلوب الاحتواء الناعم حينا والعصا الغليظة الرمزية المتمثلة في تجاهل وتهميش كل من يبدي معارضة حينا آخر- من الاستفراد بالحكم والإمساك بجميع مفاتيح الحل والربط أمام مرأى الجميع. ومن المعروف أن الجزائر تعد من بين الدول الأكثر إنتاجا للدساتير في العالم، بمعدل دستور واحد لكل 9 سنوات أي أنها أنتجت لغاية يومنا هذا 6 دساتير في ظرف 52 سنة.

ونتيجة لذلك فإن المراقبين لاحظوا أن كل رئيس جزائري جديد يخيط لنفسه بذلة دستور أو عدة بذلات على مقاسه. وهكذا يكون بوتفليقة بعد الانتهاء من الدستور المزمع تعديله قد خاط لنفسه في ظرف 15 سنة 3 دساتير بمعدل دستور واحد لكل 5 سنوات.

يعود انفراد الرئيس بوتفليقة بكل المفاتيح لكونه يتكئ على خلفية يعتبرها تراثه الذي لا ينافسه فيه أحد من الوافدين الجدد من قيادات أحزاب الموالاة أو في الأحزاب شبه المعارضة، ويتمثل هذا التراث الذي يغذي إحساس الرئيس بوتفليقة بالفوقية والتفوق معا في أنه كان من القيادات المركزية في صفوف جيش التحرير الوطني، حيث أسندت إليه أثناء الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي عدة مهام عسكرية منها «مهمة مراقب عام للولاية العسكرية الخامسة في عام 1960 ومهمة ضابط في الولاية نفسها»، وكما تفيد المعلومات أنه شغل مناصب عسكرية قيادية مفصلية أخرى أثناء الحرب ضد فرنسا، حيث «ألحق على التوالي بهيئة قيادة العمليات العسكرية بالغرب الجزائري، وبعدها بهيئة قيادة الأركان العامة بنفس المنطقة، وفضلا عن ذلك فإنه «تولى مسؤولية حدود الجزائر المتاخمة لدولة مالي».

أما بعد الاستقلال فقد تولى منصب عضو المكتب السياسي بوزارة الشباب والرياضة والسياحة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ومن ثم منصب وزير الخارجية ومنصب عضو مجلس الثورة إلى أن توفي الرئيس هواري بومدين، حيث أزيح من الحكم واختار المنفى مقرا له، إلى أن دُعي لتولي منصب رئيس الدولة بعد تفاقم الأوضاع في أواخر “العشرية السوداء” التي تميّزت بالحرب الدموية والتي ذهب ضحيتها أكثر من 250 ألف جزائري وجزائرية.

نظرا لهذه الخلفية تواجه الحياة السياسية في البلاد ركودا جراء عدم وجود قوى سياسية ذات مصداقية وعلاقة وطيدة بالقواعد الشعبية في المدن والأرياف عبر القطر كله ولها القدرة على مجابهة الاستفراد بالحكم من طرف بوتفليقة.

ولاشك أن «قرار الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة إجراء تعديل لدستور عام 2008»، قد أثار ولا يزال يثير “سجالا واسعا في أعلى هرم للسلطة وفي أوساط الطبقة السياسية، كونه الثاني من نوعه في ظرف خمس سنوات، وهو ما يؤثر في مصداقية الهندسة الدستورية ذات الأهمية الحيوية بالنسبة إلى استقرار الدولة، حيث يجهل الرأي العام الجزائري الكثير عن طبيعة وفحوى هذه التعديلات، في ظل ضبابية المشهد السياسي الجزائري”، كما كتب أحد المعلقين السياسيين الجزائريين مؤخرا.

وبهذا الخصوص لابد من إضافة نقطة أخرى تعد عاملا مهما في إرباك عملية الإعداد لتعديل الدستور، وتتمثل في التسريبات التي تعلن من حين لآخر بخصوص بروز إمكانية دعوة النظام الحاكم لمجموعة من الأسماء القيادية الأساسية سابقا في حزب جبهة الإنقاذ (الفيس) الممنوع من النشاط السياسي للمشاركة، ليس كممثلين للحزب المحظور بل كمجرد شخصيات وطنية للمساهمة في المشاورات بشأن التعديلات التي ستلحق الدستور، علما وأن هذا الأمر لم يصبح حتى الآن حقيقة مادية.

فالقضية المطروحة للنقاش السياسي تتمثل في الأسئلة التالية: ما هو المطلوب تعديله في الدستور الحالي؟ وهل يرمي هذا التعديل حقا إلى خلق أساس قانوني جديد وجدي يمهد لنقلة نوعية في الحياة الحزبية التعددية الجزائرية؟ أم أن الهدف هو نسيان العهدة الرابعة وغسل غبار آثارها بسرعة لإضفاء الشرعية عليها وعلى المستفيدين منها وفي المقدمة الرئيس بوتفليقة؟ وهل يمكن أن تكون هناك ضمانات مقننة بعدم اللجوء مرة أخرى إلى تغيير الدستور وفقا لمقاس الرئيس الذي سيخلف بوتفليقة في المستقبل؟

ينبغي التوضيح هنا أن جميع السجالات الدائرة حاليا في المشهد السياسي الجزائري، وجميع المقترحات التي قدمت حتى الآن- من طرف أحزاب الموالاة أو من قبل الأحزاب المحسوبة على المعارضة الهشة وغير المنسجمة، أو من طرف أفراد معارضين- لم تثر قضية التعهد المقنن باحترام الجميع لما سيسفر عنه الدستور القادم وما يحتويه من بنود ذات طابع قانوني ملزم للجميع أيضا. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن “أمهات القضايا” الساخنة لم تدرج في نسخة الدستور المطروحة للنقاش قصد تعديله، مثل:

1 - ترسيم اللغة الأمازيغية وجعلها لغة إدارة وسياسة وثقافة وطنية مشتركة جنبا إلى جنب أختها اللغة العربية، بما يضمن الوحدة الوطنية المؤسسة على الوازع الديمقراطي.

2 - فصل الدين عن النظام السياسي وجعله شأنا شعبيا محضا مؤسسا على الوازع الروحي، مع التمييز بين دين الدولة التي لا تعني النظام السياسي الحاكم بالضرورة، وبين الدين كمؤسسة تتحكم فيها أجهزة النظام السياسي الحاكم وتستخدمها لأغراض أيديولوجية.

3 - استحداث منصب نائب رئيس الدولة لتفادي الفراغ السياسي في حالة وفاة أو مرض رئيس الدولة، إلى جانب ضرورة توضيح طبيعة النظام الرئاسي وصلاحيات رئيس الدولة في ظل التعددية الحزبية التي يفترض فيها أن حزب الأغلبية هو الذي يترأس البرلمان ويشكل الحكومة ويعيّن الولاة (المحافظين) على رأس المحافظات.

4 - استقلال القضاء.

5 - إعادة النظر في مجلس الأمة الذي يتقاسم السلطة التشريعية مع البرلمان وتوضيح صلاحيات كل منهما بما لا يؤدي إلى تكرار وتشابه المهام المنوطة بعهدة كل منهما.

6 - الإعلان بوضوح عن الخيار السياسي العقائدي للبلاد في الوقت الذي تفرض فيه الرأسمالية المتوحشة على الشرائح الفقيرة التي تشكل أغلبية السكان الجزائريين لتزيدها فقرا وتهميشا اجتماعيا.

7 - إعادة النظر في التمثيل السياسي والاجتماعي الذي يحتكره الذكور على حساب حقوق المرأة، وذلك لجعل هذه الأخيرة تتمتع بنصف مقاعد التمثيل في مختلف الهيئات والمؤسسات التابعة للدولة والقطاع الخاص.

إلى جانب ما سلف ذكره، فإن مضمون نسخة الدستور المطروحة للمناقشات في إطار نخبوي محدود- وهذا إجراء غير ديمقراطي- لم تحسم بوضوح في قضية الحريات وفي مقدمتها حرية المعتقد والتعبير.

أما ما يتصل بحرية الإعلام فإن الواقع الحالي يشهد سيطرة النظام الحاكم على المنابر الإعلامية التابعة لوزارة الاتصال. أما ما يدعى في الجزائر بالإعلام المرئي والمكتوب التابع للقطاع الخاص، فهو غير كامل من حيث الهيكلة والتأسيس بمعنى أن الإذاعات المسموعة لا تزال تابعة كلها للوزارة المذكورة.

وبالإضافة إلى هذا فإن الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية والفضائيات لا تزال تخضع لسيطرة أجهزة النظام الحاكم خاصة من حيث الترخيص، أما ما يتصل بالتمويل فإنَ مصدره غالبا هو الإشهار التابع للحكومة، مع العلم أن الإشهار يستعمل بأساليب الترغيب والترهيب كسيف ديموقليس ضد أي منبر إعلامي تابع للقطاع الخاص يحاول أن يقيم بينه وبين النظام الحاكم وأجهزته المختلفة مسافة ولو ضيقة بواسطة النقد الصريح وليس الشكلي.

في هذا السياق لابد من القول، بأن النقد الذي يمارس غالبا في الساحة الإعلامية الجزائرية لا يتعدى في الجوهر تزويق النظام وجعله من النوع الذي “يعفو عند المقدرة”، وأنه يتسامح مع وجهات النظر النقدية التي لا تفسد في الغالب ودَ المصالح المتبادلة بين النظام وبين “بارونات” هذه المنابر.


كاتب جزائري

8