عقبة التأجيلات المتتالية تهدد تماسك المرحلة الانتقالية في السودان

إشارات عبدالله حمدوك إلى تمديد الفترة الانتقالية تثير جدلا سياسيا وشعبيا.
الخميس 2021/03/18
مرحلة شائكة

الخرطوم – تواجه الأطراف المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية في السودان تحديا رئيسيا يتمثل في عدم القدرة على الالتزام بالمصفوفات الزمنية الخاصة باستكمال هياكل السلطة وصولا إلى مرحلة إجراء الانتخابات، ما يشي بتعثر الانتقال السياسي عقب الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير.

وناقش مجلس شركاء الفترة الانتقالية، ويضم في عضويته عددا من الممثلين عن الأحزاب والحركات المسلحة والمكون العسكري، الثلاثاء الصعوبات التي تواجه استكمال بناء هياكل الفترة الانتقالية وكيفية التعامل مع التهديدات الخارجية.

ولم تتوافق الأطراف المختلفة حتى الآن على تشكيل المجلس التشريعي، وكان من المفترض الإعلان عن النواب المعينين في يناير الماضي، وجرى التأجيل أكثر من مرة لتواريخ لم يتم الالتزام بها، كذلك الحال بالنسبة إلى إعادة تعيين الولاة المدنيين وعدم الاستعداد الكافي لتدشين مؤتمر نظام الحكم الإقليمي المزمع عقده في أبريل المقبل.

مصطفى الجميل: أي تمديد سيضع السلطة في مواجهة مع الحركات المسلحة
مصطفى الجميل: أي تمديد سيضع السلطة في مواجهة مع الحركات المسلحة

ولا يزال ملف الترتيبات الأمنية، الذي جاء وفقاً لاتفاق جوبا للسلام ونص على تعيين قوة مشتركة بين قوات الجيش والحركات المسلحة في الهامش، معطلاً هو الآخر.

وكان من المقرر الانتهاء من عملية تجميع القوات خلال 90 يوما من توقيع الاتفاق (أي مطلع يناير الماضي)، لكن هذا لم يحدث حتى الآن، علاوة على عدم وضوح الرؤية بشأن إصلاح الأجهزة الأمنية وتأهيلها.

وفسحت إشارات رئيس الحكومة عبدالله حمدوك إلى احتمال تمديد الفترة الانتقالية المجال للكثير من التكهنات، ولمّح إلى أن هذا الأمر قد يجري عندما تتمكن السلطة من الوصول إلى اتفاق سلام مع الحركة الشعبية – شمال، جناح عبدالعزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان، جناح عبدالواحد نور.

وأقرت السلطة الانتقالية تمديد المرحلة الانتقالية التي بدأت من شهر نوفمبر الماضي، وليس في سبتمبر 2019، وسط توقعات بطرح مسألة التمديد مجدداً على المفاوضات المتوقعة مع حركتي الحلو ونور قريبا في جوبا.

وكشفت مصادر سودانية في تصريحات لـ”العرب” عن إمكانية إطالة المدة الزمنية للفترة الانتقالية لتصبح خمس سنوات عقب الوصول إلى اتفاق سلام مع الحلو ونور، على أن يكون ذلك بموافقة مفوضية السلام مع مراعاة التوافق بين جميع مكونات المرحلة الانتقالية.

وقد أثار كلام حمدوك جدلاً سياسياً وشعبياً في السودان لم يتوقف حتى الآن، بين من يرون ضرورة الانتهاء من كافة استحقاقات المرحلة الانتقالية بما يضمن التجهيز الجيد لإجراء الانتخابات وبين من لديهم اعتقاد بأن التمديد التفاف على متطلبات الثورة، ويفسح المجال لدخول أطراف محسوبة على النظام البائد وتعظيم استفادة المكون العسكري من التأجيل لترسيخ أقدامه.

وينطوي حديث حمدوك على مغازلة للحركات غير الموقعة على اتفاق السلام، والاستفادة من تحريك المياه الراكدة على مستوى العلاقة مع حركة جيش تحرير السودان التي زار قائدها عبدالواحد نور جوبا الاثنين في خطوة تؤشر على إمكانية الجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة مع الخرطوم قريبا.

غير أن ذلك قد يؤدي إلى المزيد من التعقيدات لأن الحركتين ستجدان في الأمر فرصة لفرض المزيد من المطالب، مثلما كان الحال أثناء التفاوض مع الجبهة الثورية التي حظيت بمكاسب عدة أثناء التفاوض، لكن لم تجر ترجمة أغلبها عمليا، واقتصرت على إشراك قياداتها في مكونات السلطة الانتقالية في مناصب مهمة.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم مصطفى الجميل إن “إطالة المرحلة الانتقالية لها آثار سلبية على تماسك المرحلة الانتقالية، على مستوى اتفاق جوبا الذي يتضمن توقيتات زمنية محددة لتنفيذه، وقد يترتب على هذا التمديد تأجيل مؤتمر الحكم الإقليمي، ما يضاعف من صعوبات إنزال بنوده على الأرض ويضع السلطة الانتقالية في مواجهة جديدة مع الحركات المسلحة”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “استيعاب باقي الحركات المسلحة لا يتطلب تأجيل المرحلة الانتقالية، وربما يكون ذلك ممكنا عبر دمجها في هياكل السلطة الحالية. وتقديم المزيد من التنازلات للحركات لا يؤدي إلى وجود سلطة منتخبة على الأمد القريب، وهو أمر لن يكون مقبولا في وقت يضيق فيه المواطنون ذرعا بالأوضاع المعيشية”.

Thumbnail

وذهب متابعون إلى التأكيد على أن حالة السيولة الراهنة بحاجة إلى المزيد من الحسم بشأن التعامل مع الاستحقاقات، لأن إعلاء الحسابات السياسية بين الأطراف المختلفة وتوظيف التأجيل لصالح قوى تبحث عن تأمين مصالحها لن يخدما التجربة الديمقراطية، وسيكونان بمثابة ردة على ما تحقق من مكاسب الفترة الماضية.

ويؤدي انغماس القوى المدنية في تأمين حضورها السياسي على حساب الالتزام بمسارات المرحلة الانتقالية إلى خلافات تهدد بخروج أطراف أخرى من دائرة السلطة والانضمام إلى صفوف المعارضة، كما الحال بالنسبة إلى الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين، في وقت يحتاج فيه السودان إلى لملمة صفوفه الداخلية ومجابهة التحديات.

وترتكن إلى هذه الصعوبات بعض القوى السياسية التي ترى أن هناك ضرورة للتمديد، وتؤكد على الاستفادة من أخطاء المراحل الانتقالية السابقة، وآخرها بعد انتفاضة أبريل 1985، حيث استمرت لعام واحد، ما سهل التآمر على الحكومة المنتخبة.

وأكد المحلل السياسي مرتضى الغالي أن الظروف السياسية وتعقيدات العلاقات الخارجية تتطلب تمديد المرحلة الانتقالية إلى حين الاستعداد الكافي لإجراء الانتخابات، وليس هناك ممانعات لتصل إلى أكثر من خمس سنوات، ومن المهم الوفاء باستحقاقات ثورة ديسمبر، وعلى رأسها تفكيك أركان النظام البائد التي مازالت موجودة على الأرض وتملك القدرة على الانقضاض على السلطة المنتخبة.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن “الأحزاب السياسية مازالت غير مستعدة لخوض الانتخابات ولم تطرح برامجها على المواطنين في المدن والأرياف، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحركات المسلحة التي لم تتحول بعد إلى كيانات سياسية تستطيع المنافسة في الانتخابات، كما أن عملية السلام لا بد أن تأخذ وقتها لنجاحها بما يضمن علاج البيئة الممهدة لإشعال الحروب مجددا. كما أن إجراء انتخابات على المستوى القومي في ولايات الهامش التي تنتشر فيها الميليشيات والعناصر المسلحة على نطاق واسع لن يكون ممكناً على المدى القريب، إذ لم تتخذ الخطوات اللازمة لإعادة ترتيب الجيوش، على مستوى دمج الحركات المسلحة ومزج الجيوش التابعة للحكومة التي أنشأها البشير في جيش قومي واحد”.

وفي رأي الغالي، وهو أحد المحسوبين على المكون المدني، الاستعجال في إجراء الانتخابات ليس مبرراً، والمهم الاستفادة من أخطاء الماضي بما يضيق الخناق على القوى المتربصة بالثورة التي تنتظر هذه الخطوة للإقدام على انقلاب جديد.

2