عقدة الأسد و"الحل الروسي"

السبت 2013/10/26

يذكرنا النشاط الدولي الدبلوماسي في هذه الأيام، وقد بدت عليه سيماء الجدية والعمل الدؤوب، وهو يعلن هدفه في إرساء دعائم حل سياسي في سوريا عبر مؤتمر جنيف2، بنشاط دبلوماسي مماثل حدث في شباط الماضي. فقبل نحو ثمانية أشهر، تسارعت وتيرة النشاط الدولي المرتبط بالثورة السورية. حينها، كان الحديث عن «الحل السياسي» على لسان جميع اللاعبين الدوليين والإقليميين، فضلاً عن قسم من المعارضة مثلها في ذلك الوقت الشيخ معاذ الخطيب. وبدأت تبرز للعيان وعلى نطاق واسع، تصريحات من قبيل أن «لا حل عسكري للصراع في سوريا»، في غزل واضح للموقف الروسي. كما أنصت السوريون حينها، وبشغف شديد، إلى حديث الحلول السياسية ذاك، وإلى أي حديث يمكن أن يخلق لديهم أملاً بالخلاص، حتى لو كان وهماً، وهو ما كان بالفعل.

فجأة ودون سابق إنذار، انتهى نشاط شهر شباط الدبلوماسي، الذي بدا لوهلة كما لو أنه يسير بثقة وجدية نحو جنيف2. فبعد سلسلة من اللقاءات الأميركية والروسية، وسلسلة جولات للمبعوث العربي- الدولي للأخضر الإبراهيمي، ظهر انسداد في أفق الحلول المشتركة. وعادت القوى الدولية منتصف آذار للحديث عن دعم المعارضة السورية، ورفع حظر الأسلحة عن الجيش الحر، بما في ذلك الأسلحة الهجومية.

كان انعدام فرص أي حل سياسي، وتمسك رأس النظام بلعب دور أساسي في المرحلة الانتقالية، هو ما دفع الأوروبيين والأميركان إلى العودة لسياسة التهديد العسكري، وذلك من أجل «تغيير حسابات الأسد»، ومن وراء ذلك تغيير حسابات كل من روسيا وإيران، ودفعهم جميعاً إلى «الحل السياسي». إذ يعلم الأميركيون جيّداً، وليس بغضاً بالرئيس الأسد، وإنما تسليماً بالأمر الواقع، أن لا حل حقيقي في ظل استمراره في الحكم، وأن الحل الذي قد يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي يتطلب بصورة أو بأخرى رحيله، وهو ما عجزت، ولا تزال، روسيا عن تحقيقه.

ففي الحل مصلحة سياسية للجميع. بالنسبة لحلفاء النظام، هي الطريقة الوحيدة التي تبقي على النظام السوري، وإن من دون رأسه الحالي، لكنه بمثابة نصرٍ لها، فبمعنى من المعاني تكون قد تفادت سقوطه الذي بدا حتمياً ووشيكاً في لحظة من اللحظات، ولا يزال ممكناً رغم كل الحديث عن استحالته.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تشارك حلفاء النظام هذا الهدف. إذ لطالما كان التوافق الوحيد بينها وبين روسيا وكافة اللاعبين الدوليين، هو عدم ترك النظام يسقط بجدارة الثورة وقوتها المتعاظمة، بل عبر «حل سياسي» يؤطر القوى المجتمعية المنفلتة من عقالها في إطار يكون «صديقاً» لمصالح الغرب ويقبل بما يقسموه له من دولة أو دويلات!. ويَصدُق الأميركيون والأوروبيون إذ يعلنون أن «لا حل عسكري للصراع»، فتلك رغبتهم وإرادتهم، أكثر منها تصوراتهم لموازين القوى بين النظام والمعارضة.

يبرز هنا سؤال وجيه، يندفع إلى السطح كما لو أنه لا مفر من طرحه، فإذا كان الجميع قد توافق على حل سياسي يتعذر تطبيقه دون رحيل الأسد، فما الذي يمنع رحيله؟ خصوصاً إذا كان ذلك ليؤمن استمرار نواة النظام السوري كحليف أبدي لكل من إيران وروسيا، بل ويصبغ عليها شرعية ضائعة بفعل عمليات الإبادة الممنهجة طيلة نحو ثلاثة أعوام.

الروس أعلنوا غير مرة، وعلى الملأ بأنهم غير قادرين على إقناع رأس النظام على الرحيل، وهذه مأساة روسيا، فهي التي استثمرها النظام على مدى ثلاثين شهراً، واستمد منها القوة الدبلوماسية والعسكرية الضرورية لبقاءه، تعجز حتى هذه الدرجة من ضعفه عن استثماره. أغلب الظن أنها تعرف أن الرحيل هو شرط لازم للشروع في حل سياسي، لكنها لا تزال عاجزة عن إقناع أو إجبار الأسد على الرحيل. لدرجة طفح معها كيل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حين قال في إحدى تصريحاته بأنهم لن يطلبوا من الأسد التنحي، فالأخير يصر على أنه لن يتنحى «وهو لا يمزح في هذا الشأن» يقول لافروف.

هل هو عناد الأسد وعجز روسيا، أم هي رغبة كل من روسيا وإيران في تحويل الأسد إلى زعامة طائفية، ليجري نقاش مصيره كما لو أنه مصير الطائفة برمتها؟ وها نحن اليوم، وقد دخلنا في نشاط دبلوماسي جديد، يعتقد بأنه سوف يؤول إلى جنيف2. وذلك بعد أن فشل نشاط شهر شباط الفائت الذي انتهى إلى إعلان تقديم الدعم العسكري للمعارضة من أجل فتح الطريق للحل السياسي. ولا نعرف بالضبط ما الذي طرأ منذ ذلك الحين، فهل قام «أصدقاء سوريا» بتغيير موازين القوى؟ وهل قام النظام بتغيير حساباته في غفلة منا؟

باستثناء مجزرة الكيماوي، لم يطرأ أي تغيير في العلن، ولا يمكن أن يُعرف، حتى الآن، إذا كان ثمة تغيراً في الكواليس، أحيا جنيف2. لكن، ما يبدو واضحاً من خطاب الأسد الأخير على قناة الميادين، أن حساباته لا تزال هي هي، فهو لم يعزم على الرحيل بعد. وبالتأكيد فإن الثورة التي تكبدت عشرات آلاف الشهداء ودماراً غير مسبوق في تاريخ الثورات العالمية، لن تقدم أي تنازل مجاني. فمن قدم كل هذه التضحيات لا يتوقع منه أن يفرط في أهدافه، ومن أجل ماذا؟ الجلوس في جنيف2 لمناقشة «الحل الروسي» كبديل عن «الحل السياسي»!


كاتب فلسطيني

9