عقدة التحامل على "ساعة بغداد"

هذه الفتاة العراقية خير شاهد لكي تعيد رسم الحكاية التي كانت هي إحدى ضحاياها حين خسرت كل شيء في حياتها وربحت سانحة الكتابة عن وقائع موت معلن لأسر غادرت مدينتها الفاضلة مُكرهة لتحافظ على ما تبقى من حياتها.
الخميس 2018/03/15
سابقة أدبية لفتاة عراقية جميلة

ما الذي يسوّغ للعديد من الأدباء والكتاب العراقيين أن يهاجموا مواطنتهم المرشحة لنيل البوكر وغضبهم على اللجنة على حد سواء؟

بعد أن أوشكت أن تحصد الجائزة لهذا العام، جنّ جنون هؤلاء، حين أعلنت اللجنة عن تسميتها لها في أول القائمة من بين ستة مرشحين من بين مئتين وثلاثين عملاً متقدما من كل العالم العربي والمهجر، فقد نالت شهد الراوي عن روايتها القصيرة “ساعة بغداد”، ثقة أعضاء اللجنة من بينهم مقيّمون أجانب وترشحت بل وترجمت قبل إعلانها لست لغات في مقدمها الإنكليزية، التقولات والاتهامات ضدها لم تبن إلا على كون شهد فتاة عراقية جميلة تنتمي إلى أسرة متقدمة في تعليمها، وكانت تعيش حياة الطبقة الوسطى في بغداد قبيل الاحتلال، لكن الحرب تداهم تلك الحياة الوادعة، وتؤدي إلى تشظي العوائل التي كانت تعيش في كنفها وهي تحظى بمحبة الجميع وإعجابهم لفرط ذكائها وجمالها وتعليمها، لكن يبدو أن تلك المؤهلات صارت نقمة عليها من جيوش إلكترونية، وأكثرهم لم يقرأوا روايتها (ساعة بغداد)، كما أكدت لي وأنا أستقصي مخيلة تلك الشابة العراقية التي تركت كل شيء خلفها حتى أغراضها وصورها في بغداد وراحت تطلب الأمان مع عائلتها، بعيدا عن حياة كانت مشبعة بالحكايات، والأقاصيص الصغيرة التي ترويها شهد مع دقات ساعة بغداد، والتي شهدت تسارعا في ضربات قلبها حين اجتاحت القوات الغازية أسوار العاصمة لتوقف زمنها، شهد كانت هناك، تروي بعفوية مدهشة تلك الوقائع وكيف فرّ الناس وتركوا أشياءهم الجميلة وهجروا دعة حياتهم وولوا بعيدا لمجتمعات يجهلونها.

لكن هذه الفتاة العراقية خير شاهد لكي تعيد رسم الحكاية التي كانت هي إحدى ضحاياها حين خسرت كل شيء في حياتها وربحت سانحة الكتابة عن وقائع موت معلن لأسر غادرت مدينتها الفاضلة مُكرهة لتحافظ على ما تبقى من حياتها.

الرواية توثيق لوقائع يومية عن صديقات الطفولة التي استنطقتها شهد في ساعة بغداد، لتقول لنا أين وكيف فرت الطبقة الوسطى التي كانت تدير الدولة والحياة العراقية قبيل 2003، دون أن تسيس تلك الأحداث، بل قصّت حكاية تلك الحارة البغدادية التي تشظت، وتحولت إلى مجرد ذكريات جميلة، تبددت كالسراب.

الطريف أن المتحاملين عليها وعلى فوزها فقئت أعينهم حين رأوا مشهدا لم يألفوه من قبل، بقدوم أكثر من ألفي عراقي لحفل توقيع روايتها في العاصمة، كي ينالوا توقيع الروائية الصغيرة، ولسبع ساعات متواصلة في نادي الصيد في بغداد لتشكل سابقة أدبية.

24