عقدة التناكر بين الأجيال

المثقفون العرب المهاجرون حملوا معهم إلى قواقعهم في المهجر أفكار القطيعة مع الآخر.
الأحد 2020/03/01
هل يشكل صراع الأجيال مشكلة بنيوية داخل الثقافة العربية (اللوحة للفنان بسيم دحدوح)

هل مازالت فكرة صراع الأجيال وجيهة، وما التطورات التي طرأت على هذه الفكرة منذ أن بلورها في الستينات المفكر الأميركي من أصل ألماني هربرت ماركوزة؟ وهل يمكن استنادا إلى الخلاصات التي قرت عليها المدونة الفلسفية الحديث بالمطلق عن صراع أجيال عندما نكتشف أن الذين نظّروا لثورات الشباب، في النصف الثاني من الستينات، وعلى رأسها الثورة الطلابية في فرنسا كان جلهم من الفلاسفة والسوسيولوجيين الكهول، وبعض شيوخ الفكر.

بداية، لا بد من الاعتراف بأن الصراع بين الأجيال في حيز الاختلاف على الأفكار والتصورات التي يحملها جيل الآباء عن أنفسهم وعن العالم، بإزاء تلك التي يحاول جيل الأبناء اعتناقها والأخذ بها، إنما هو سمة طبعت العلاقات بين الأجيال عبر العصور. وهي، بداهة، سمة نجمت عن حركة التطور في المجتمعات وفي العلاقة بين الأجيال، ووسمت معها النتاج الفكري والأدبي والفني وبرزت في العلوم الإنسانية في غير حقل وعلى غير صعيد، ولها تجليات مشتركة وأخرى متباينة نسبة إلى أنماط التفكير التي حكمت أذهان الطبقة والفئة والجماعة، حاكمة كانت أم محكومة.

والسؤال الآن هل ينسحب على الفكر ما يمكن أن يكون ظاهرة اجتماعية تحكم العلاقات بين الافراد، ويتبلور في رؤى وأفكار وتقاليد اجتماعية تتصل بصيغ العلاقة بين جيل حاضر وجيل سابق عليه؟ وهل طليعية الفكر وقدرته على استشراف المستقبل تجعله قادراً على تجاوز الفوارق الراسخة في السلوك الاجتماعي المؤسس على ذهنية بطرياركية سائدة ووعي جمعيّ يدين لهذه الذهنية، ويعتقد بما بلورته من تصورات مؤثرة في الوعي الجمعي لاسيما في المجتمعات ذات الطابع الشرقي، مجتمعات الذكورة والفحولة المتسيّدة على النساء والشباب والأطفال، بوصفها حارسة قلعة القيم.

نتطرق إلى هذه المشكلة، الآن، في حقل العلاقات الثقافية، والتواصل الثقافي بين أجيال تتعايش في ما بينها ضمن مواضعات وشروط لا تسلّم للثقافة والمثقفين بالاستقلال التام عن هيكلية النظم الحاكمة، ولا تعطي المثقفين غير هامش ضيق لا يكفي الثقافة لتصف نفسها بأنها ثقافة حرة. وبالتالي فإن المبدعين والمفكرين ومنتجي الثقافة يبدون محشورين في هامش ضيق داخل شبكة مجتمعية مأزومة تاريخيا على غير صعيد، وغير وجه من أوجه العلاقة بين الأفراد والجماعة من جهة وبين الجماعة وسلطة القيم من جهة ثانية وبين هؤلاء مجتمعين والنخب الحاكمة.

ولكن هل يشكل صراع الأجيال مشكلة بنيوية داخل الثقافة العربية وداخل مجتمع المبدعين، أم هو ظاهرة عرضية؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نتأمل في ما هو أكثر من منظومة الأفكار السائدة، لا بد أن نضيف إلى هذا طبيعة العلاقات بين الأجيال في الجماعات الثقافية، والخطابات التي تتبادلها في ما بينها، لاسيما عبر تجارب أهل القلم والظواهر البارزة التي حكمت علاقاتهم، والوعي الذي ساد، واستمر سائداً في أوساطهم، أو جرى استبداله بوعي آخر. وهذا يحتاج إلى بحث وتوثيق لنتوفر على وثائق نقرأ في ضوئها الفكرة وظواهرها.

أمثلة المهجر

Thumbnail

منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وحتى العشرية الثانية من هذا القرن، توافد على أوروبا، فرنسا وبريطانيا بداية، ثم بلجيكا والنمسا وهولندا وحتى السويد في أقاصي الشمال الأوروبي عشرات الشعراء والكتاب والفنانين العرب، ما جعل من المدن الأوروبية قاعدة لأوسع هجرية فكرية عربية شملت مختلف الأجيال.

من تجارب المهاجرين والمنفيين المنتمين إلى شتّى الثقافات هناك سجلّ ثري عامر بالأمثلة على التحولات الفكرية والأدبية الكبرى والإنجازات العظيمة التي أمكن للبعض منهم تحقيقها وكانت بمثابة مواعيد رائعة لأدب جديد وفن جديد وفكر جديد. فقد أمكن لشعراء وروائيين وسينمائيين أن يبدعوا بلغاتهم وأمكن لآخرين غيرهم أن يبدعوا بلغات مكتسبة، منهم أفارقة، أوربيون شرقيون، آسيويون، وبعض العرب.

عندما نتأمل في علاقات الشعراء العرب المهاجرين والمنفيين، فمن النادر أن نجد تفاعلاً خلاقا بين الأجيال المختلفة، فقد أخلى هذا البعد الحيوي نفسه لحال من "التناكر بين الأجيال"

وإذا كان بعض المنفيين الإسبان الهاربين من دكتاتورية فرانكو قد هشموا بعضهم في جلسات المقاهي في باريس خلال الأربعينات والخمسينات بسبب روح الهزيمة التي شاعت في أوساطهم وأمراض المنفى المستشرية بينهم، فإن بعضهم الآخر تحول إلى أيقونات ثقافية كبرى بفعل ما أنجزه في المنفى، وفي كل الحالات نحن لا نجد في ما بين النخبة الثقافية الإسبانية المهاجرة والمنفية صراعاً بين الأجيال المختلفة، فالصراع كان غالبا صراع أفكار وأيديولوجيات ورؤى جمالية متباينة.

وعندما نتأمل، بالمقابل، في علاقات الشعراء العرب المهاجرين والمنفيين، فمن النادر أن نجد تفاعلاً خلاقا بين الأجيال المختلفة، فقد أخلى هذا البعد الحيوي نفسه لحال من “التناكر بين الأجيال”. ولو أخذنا المنفى البريطاني، في الربع الأخير من القرن الماضي مثالاً، فقد شكلت لندن قاعدة لإقامة ثلاثة أجيال شعرية عربية لم ينشا في ما بينها أيّ احتكاك منتج.

سكن لندن خلال الفترة المشار إليها شعراء من الجيل المؤسس للحداثة، نزار قباني، بلند الحيدري، سعدي يوسف، وشعراء من الجيل الثاني فوزي كريم، صلاح فائق، أزراج عمر، صلاح نيازي، صادق الصائغ، كمال أبوديب، فالح عبدالرحمن، وشعراء من الجيل الثالث أمجد ناصر، هاشم شفيق، سلام سرحان، غريب إسكندر، وهذه الأسماء أمثلة على غيرها، فضلا عن كوكبة من النقاد والروائيين والقاصين والتشكيليين والمسرحيين والسينمائيين العرب من سوريا والعراق ومصر ولبنان واليمن والسودان، وغيرها.

إنكار متبادل

ولو حصرنا مثالنا في الشعراء، فإن الأسماء المشار إليها أعلاه والمنتمية إلى أجيال متعاقبة، لم تتمكن لاعتبارات تتصل بالذهنية البطرياركية العربية من خلق تواصل وتفاعل في ما بينها من شأنه أن ينتج حركة أو تيارا أو فضاء للتفاعل، وظل كل جيل يشكل حلقة منقطعة عن الجيل الآخر، ويحمل مقدارا من الريبة بالآخر، واعتقادا بالذات لا يسمح للآخر بالحضور في فضائها.

فالشعراء الرواد دأبوا على اعتبار الشعراء اللاحقين عليهم خصوماً من نوع يستحق الهجاء. والشيء نفسه نجده لدى الشعراء الذين طالما وصفوا بـ"الشباب" في موقفهم من الرواد والسابقين عليه. في حوار معه وصف نزار قباني شعراء قصيدة النثر الشباب بأنهم مراهقون قاصرون لم يكتبوا شعرا و”لم يربّوا حتى دجاجة”، بينما أسّس لوحده “جمهورية الشعر”. وها هو بلند الحيدري يصفهم بأنهم أشبه بالفئران” الذين تكاثروا على القصيدة وأخذوا يقرضون الشعر”.

بالمقابل اعتبر الشاعر الراحل أمجد ناصر الذي ينتمي إلى الجيل الثالث من رواد قصيدة النصر في مقال ناري نشره في مطالع التسعينات أن الشاعر الذي يملأ بمحبي شعره ملعب كرة قدم ليس بالضرورة أن تكون قصيدته عظيمة. وكان المقصود بذلك بالاسم نزار قباني على إثر أمسية تونسية مشهودة.

وفي مقال مقنع بأفكار جمالية، نُشر في أواسط التسعينات قام الشاعر فوزي كريم بعملية ثأر جيلية من عدد من شعراء قصيدة النثر من أمثال بسام حجار وأمجد ناصر وسركون بولص وعباس بيضون وآخرين، موسعا بذلك حلق التناكر بين الأجيال.

ما يؤسف له أن عقدة التناكر بين الأجيال مازالت فاعلة تورّث نفسها من جيل إلى جيل في مجتمعات الثقافة العربية، فمن كان بالأمس متمردا على أب رمزي بات اليوم أبا رمزياً لا يقبل بالتمرد عليه منكراً على نهر الفن أن يجري بعيداً

في الأمثلة الثلاثة التي استعملتها هنا كانت عقد التناكر بين الأجيال هي ما يتحكّم بالخطاب، وهي ما يوجّه هذا الخطاب في النقاش الشعري الذي لا يفضي إلى خلاصة معرفية، ولكنه يضاعف من حجم الفجوة بين الأطراف الثلاثة. فليس الشاعر الرائد وحده من ينكر على شاعر قصيدة النثر وجوده، ويأخذه بجريرة اختلاف خياراته الفنية في الشعر، ولكن الابن المباشر له والذي لم يقطع جمالياً مع منجز الأب الشعري المكرّس في المدوّنة الشعرية بوصفه الرائد/الطوطم، يفعل الشيء نفسه بالشاعر الذي خرج بخياراته الشعرية على السابق كله، وبات بالإمكان وصفه، مجازاً، بأنه الحفيد المتمرد الخارج على الأب (الشبيه) والجد (الطوطم) معا.

لكن شاعر قصيدة النثر الراديكالي في خروجه على الأعراف والتقاليد اللغوية والفنية، والباحث عن صيغ جديدة للقصيدة تقطع بثورية مّا مع كل ما سبق، لا يقل قسوة في رده على السابق من خلال لغة الشعر وحسب، وإنما بواسطة خطابات شتى، في المقال الثقافي والحوار وأعمدة الرأي التي تمكّن الشعراء الجدد منها بفعل حضورهم الفعال في الصحافة الثقافية.

خلاصة القول إن الشعراء العرب المهاجرين حملوا معهم إلى قواقعهم في ديار الغربة والاغتراب أفكار القطيعة بين الأجيال، وقد تأثروا بهذه الأفكار واعتقدوا بها وقرّوا عليها أولا بسبب رواجها في النسيج الثقافي الذي خرجوا منه، في مجتمعات أبوية حكمتها علاقات قسوة مريضة بين الأجيال، وثانياً بسبب نمط الحياة التي عاشوها في ديار الاغتراب، فالغالبية من الشعراء والمبدعين العرب عاشت في قوقعتها العربية أكثر مما انفتحت على ثقافات المكان المضيف، فلم تتأثر وتغتني برؤى وتصورات جديدة ولم تتسلح بنظرة إلى الذات تجعلها تستدرك الآخر بوصفه محاورا وشريكا في عملية جمالية لا غنى فيها للذات عن الآخر.

ما يؤسف له أن عقدة التناكر بين الأجيال مازالت فاعلة تورّث نفسها من جيل إلى جيل في مجتمعات الثقافة العربية، فمن كان بالأمس متمردا على أب رمزي بات اليوم أبا رمزياً لا يقبل بالتمرد عليه منكراً على نهر الفن أن يجري بعيداً.

10