عقدة الثوار

السبت 2014/09/06

حمّى الانتخابات في تونس كشفت حقائق كثيرة عن طبيعة الأحزاب وأفكارها، وخاصة ما تعلق بالبعد بين القناعة النظرية والسلوك العملي، وهو بعد يصبح بحجم بعد السماء عن الأرض في بعض القضايا بينها «عقدة الثوار» من دور المرأة في العملية السياسية.

قد نتفهم أن يكون عدد رؤساء القائمات من النساء لدى حركة النهضة محدودا، فهذه حركة إخوانية لم تجر أي حوار جدي مع شروح النص الإسلامي، ما يجعلها تتحرك وفق المنطق الفقهي الذي يمنع النساء من قيادة الرجال أو ترؤسهم ولو لقيادة سيارة.

لكن ما يثير الأسئلة هو موقف الأحزاب ذات الخلفية العلمانية (يسارية أو ليبرالية) من ترشيح النساء لرئاسة القائمات، فقد كانت المدن المهمة ذات الثقل من نصيب الرجال، وحتى من اختاروا نساء لرئاسة قائماتهم في مدن هامشية، إنما حكمتهم الضرورة، أو اقتسام الغنيمة بين الحلفاء.

كان مؤمّلا أن تساعد التيارات اليسارية والليبرالية على تعميق التناصف (بين النساء والرجال) في اختيار المرشحين اعتمادا على الشعارات التي نسمعها، لكن قراءة إحصائية لرؤساء القائمات تؤكد أن كلنا في الهم شرق، وأن الأفكار التحررية جُعلت لتقال وتكتب لا لتطبّق.

ولسائل أن يسأل: ما الذي يمنع أحزابا وجمعيات مدنية تتبنى مجلة الأحوال الشخصية أن تتوافق على ترشيح امرأة للرئاسة مثل القاضية كلثوم كنو أو الجامعية ليلى الهمامي؟ يجد هذا السؤال مشروعيته حتى من زاوية براغماتية، فالرئيس القادم سيكون منطقيا بين من تدعمهم «النهضة» أو نداء تونس»، فلماذا تترشح وجوه سياسية بارزة من أحزاب حظوظها محدودة في الفوز، اليس إهانة لهم أن يترشحوا ويكتشفوا محدودية شعبيتهم؟ هل سينجح حمة الهمامي في الفوز بالرئاسة إذا خرج من دائرة من يدعمهم الدساترة والنهضويون؟

الإجابة تقول إن الأمر يكاد يكون مستحيلا، إلا إذا كان الهدف من الترشح الاستفادة من الفرصة كالتعريف بشخصه وحزبه، والتمتع بمنحة الترشح للرئاسة.

أليس عادلا أن تدعم الجبهة الشعبية (ذات الخلفية اليسارية) مناضلة حقوقية ومقربة من اليسار مثل كلثوم كنو، فترسل الجبهة إشارات إيجابية عن أنها تحمل مشروعا جماعيا، وتكذّب ما يقال عن أنها حزام حزبي هادف لخدمة دائرة صغيرة من الوجوه الباحثة عن المجد الشخصي.

وقضية الانتصار لترشيح المرأة اختبار جدي لأحزاب غيّرت وجوهها وأصباغها وصارت تلهث لإثبات ولائها لرجال الأعمال ووكلاء الشركات الدولية الكبرى، وبعضها يعرض خدماته على دول تصنفها أدبياته إمبريالية أو استكبارا.

هل رأيتم حزبا وقف بقوة ضد الزيادات في الأسعار والترفيع في الضرائب ورفع دعم الدولة للمواد التموينية أو المشتقات النفطية؟ هل ثمة شيء عدا تصريحات رفع الملام وامتصاص غضب القواعد؟


كاتب صحفي تونسي

8