عقدة الفحولة في بيان الرجولة

الخميس 2015/05/21

كنتُ أناقش مسؤولا إسلاميا مغربيا موسوما بالاعتدال (والاعتدال مذاهب) إلى أن ثارت ثائرته وسقط عنه قناع الوسطية ثم فاجأني بالقول: أنتم “بني علمان” تريدون أن تنزعوا سراويلكم أمام الغرب، أما نحن فلن ننزع سراويلنا أمام أي كان لأننا رجال، ولدتنا أمهاتنا رجالا وسنموت رجالا. في تلك اللحظة تذكرتُ كيف كانت أمي في طفولتي تنصحني عند خروجي للعب في الشّارع بالقول: لا تترك أحدا ينزع سروالك. اليوم، أتفهم الأمر كتعبير عن عقدة الخصاء لدى أمهات المجتمعات المحافظة، لكن، كيف تنتقل العقدة إلى الأولاد، وكيف تكبر معهم حتى حين يصبحون مسؤولين سياسيين وإعلامين؟

شعرتُ بأنّ معلوماتي في التحليل النفسي لا تسعفني لفهم هذا الخوف المرضي من فقدان الفحولة والذي ينتقل إلى الخطاب الديني لدرجة أن عدداً من البرامج الدينية الفضائية تصاحبها إعلانات لأدوية تتعلق بضعف الانتصاب وسرعة القذف وما شابه. لاحظتُ أيضا اختزال مفاهيم كبرى تشمل الحياة والسياسة والوطن في مجرد أفعال دالة على الجنس. فالفساد لا يعني سوى الدعارة، والشرف محصور بين فخذي المرأة، وليس للغيرة موضوع غير جسد الأم أو الأخت، ولا تسمى الفضيحة فضيحة إلا إذا اقترنت بالجنس، إلخ.

أثناء ندوة حول مشروع القانون الجنائي بالمغرب، حضرها الوزير الأول عبدالإله بنكيران، ووزير العدل مصطفى الرميد، ومحمد الصبار عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وعدد من الباحثين. اعترض محمد الصبار على بند في مشروع القانون الجنائي يخفف الحكم عن الزوج الذي يقتل زوجته إذا ضبطها تمارس الجنس مع رجل آخر (وبالصدفة ليس مع امرأة؟)، فقاطعه بنكيران وخاطبه على نحو مفاجئ: وماذا ستفعل إذا وجدت رجلا نائماً مع زوجتك؟

كان السؤال ينمّ عن صبيانية مقرفة، لكن الصبار فضل الإجابة بنحو هادئ مؤكدا بأنه سيقدم شكاية للنيابة العامة، أو يطلق زوجته. لا يبدو أن الجواب أقنع الرميد وبنكيران، لأن الفحولة في رأيهما تبرر قتل الزوج لزوجته إذا ضبطها بين أحضان رجل آخر.

هناك معضلة لا يستحضرها الرميد رغم أنه وزير للعدل: تخفيف الحكم في هذه النازلة سيمثل شحنا عاطفيا وتوجيها نفسيا للأزواج في علاقتهم مع زوجاتهم. علما بأن الجميع يدرك بالحس السليم بأن اللجوء إلى القضاء في هذه الحالة، أو إلى قضاء الأسرة على وجه التحديد وعلى أخف الضرر، يمثل التصرف الأسلم والأضمن بالنسبة للأسرة والأبناء والأصدقاء والمجتمع برمته.

تذكرت أيضاً تصريحات سابقة لوزير الداخلية في حكومة حماس بغزة، فتحي حماد، حين دعا شباب غزة إلى المحافظة على ما أسماه بـ”منسوب الرجولة”، مهددا بأنّ أجهزته الأمنية ستراقب كل شاب يساهم في “انخفاض منسوب الرجولة” (هكذا!). أما الجانب الذي لم يوضحه وزير داخلية حماس فهو المتعلق بوحدة قياس منسوب الرجولة هل هي بالمتر مكعب، أم بالكيلوغرام، أم بالكيلوواط؟

مثل هذه المواقف الصادرة عمن يفترض أنهم يساهمون في تدبير الشأن العام قد تثير بعض التهكم، لكنها سرعان ما تمرّ بسلام. لربما كنا جميعنا نعاني من نفس العقدة، عقدة الفحولة التي ورثناها عن الزمن الذي كنا نحيا فيه حياة القطعان في أدغال البرية. يا ويحتاه، فالطريق إلى التمدن لا يزال طويلا.

24