عقدة تاركوفسكي

الجمعة 2014/12/26

الكثير من هواة السينما وأيضا من المخرجين الشباب في العالم العربي، أصبحوا اليوم مولعين، حدّ الهوس أحيانا، بأفلام المخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي.

هذا الولع يتجسد في الاستشهاد بأقواله أو بمقاطع من أفلامه أو بمحاكاة أسلوبه في الإخراج، كما يتضح في كثير من الأفلام الجديدة التي يصنعها شباب يتصوّرون أنهم بهذا، سيتخلصون من الأساليب التقليدية، ويصلون إلى العالمية.

مع الانتشار الكبير لشبكة الإنترنت، أصبح الشباب ممن يخرجون أفلاما محدودة الإمكانيات، يستطيعون مخاطبة الكثير من مهرجانات السينما العالمية التي تقام في الشرق والغرب، وكثير منها -خاصة المهرجانات الأوروبية- ترحب بالطبع بمشاركة “عينات” من أفلام الشباب من “العالم الثالث”، سواء تحت اسم “الربيع العربي” أو “الخريف البطريركي” وغير ذلك.

وأصبحت النظرة السائدة المستقرة لدى هؤلاء الشباب، أن مهرجانات السينما الغربية يمكنها أن ترحب بهم فقط، إذا كانوا يصنعون أفلامهم طبقا للأساليب الغربية في السرد والتصوير، خاصة لو كانت أفلامهم تحاكي أسلوب تاركوفسكي.

وينسى هؤلاء أن تاركوفسكي، هو ابن ثقافته ومحيطه الاجتماعي والتاريخي، أي أنه مخرج روسي ينتمي إلى الثقافة الروسية، بكل مكوناتها وجوانب الخصوصية فيها.

صحيح أنه من كبار المجددين، أو من “فلاسفة التعبير بالصورة”، وصحيح أنه كان يطبق طريقته الخاصة في التعامل مع الصورة ومع الزمن، إلاّ أن إيقاع أفلامه لاشك أنه يستند إلى تراث خاص تتميّز به الثقافة الروسية.

هذا التراث لا شك أيضا أن له علاقة باللغة، بالحركة، بالأدب، بالتاريخ المصطبغ بالحزن، بالعلاقات بين البشر، بالثقافة المسيحية الأرثوذكسية الروسية، بالشخصية الروسية التي عانت كثيرا في الماضي، وتأثرت بالسينما الأوروبية الحديثة، سينما بريسون وبرغمان وبونويل وأنطونيوني.

يمكنك أن تأمل في التعبير عن هواجسك وأحلامك من خلال أسلوبك الخاص في التعامل مع الصورة في فيلمك، لكن من حق الجمهور الذي توجه له أفلامك، أن يرى ما يثير اهتمامه.

إن الناس في بلادنا عندما يتكلمون معا فإنهم يواجهون بعضهم البعض، يتطلعون في وجوه بعضهم البعض، بل يمكن القول إننا ننتمي إلى “مجتمعات التحديق” بامتياز، التحديق في الآخر، وليس غضّ النظر، والتظاهر بأننا لا نقتحم الآخر بنظراتنا كما في ثقافة تاركوفسكي والثقافة الأوروبية عموما، التي تعتمد على اللاّمباشرة، ويمكن بالتالي لشخص ما أن يتخاطب مع شخص آخر، بينما هو جالس يدير له ظهره مثلا.

أليس لإيقاع اللغة التي يتكلمها الناس في الشارع، صلة مباشرة بإيقاع الفيلم، بحرارته وتوهجه ومناطق السخرية فيه مثلا؟ هل كانت أفلام صالح أبوسيف مثلا، ستصبح أفضل لو أنه صنعها على غرار أفـــلام برغمــان؟ أليس لكل واقع خصائصه؟

إن “عقدة تاركوفسكي” لن تساهم في تطوير الفيلم العربي، بل في طمس هويته وتدمير علاقته بالجمهور، أيا كان المستوى الفني للفيلم نفسه.


ناقد سينمائي من مصر

16