عقدة 25 يناير المحيّرة في كل المواسم

بدلا من الشهادة بتقديم معلومات، تدينه بالطبع، قضى العادلي بأن 25 يناير "كانت مؤامرة"، وهذا طعن في الدستور وفي شرعية السيسي، وإدانة للجيش بحماية مؤامرة والإشادة بها.
الثلاثاء 2018/10/16
25 يناير 2011.. ثورة أو مؤامرة

منذ سنوات، لا أشاهد التلفزيون بفضائياته الحكومية والخاصة المحكومة بتحالف رجال المال مع الحكومة، أشبعني نصيبي من متابعة تضليل لا أحتمل المزيد منه، ونويت مع هذا القرار ألا أنشغل أيضا بلغط يمسّ 25 يناير 2011، واثقا ومراهنا على حكم التاريخ، ليقضي بأنها ثورة أو مؤامرة، أو بين بين كما يحلو لعبدالفتاح السيسي أن يعلن، فلا هو إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إذ تشي تصريحاته وأصداؤها المتناسخة، في كل مرة، بأن الثورة عُقدة نفسية أصابت البعض، وتستعصي على التجاهل، وتقاوم محاولات النحر، وأنها بصمودها الرمزي الأعزل اليتيم ليست نزوة عابرة، وإنما هي عنوان لإرادة شعبية استهدفت التغيير والحرية والعدل، واستقرت حقيقة راسخة تحيّر أعداءها، فشهداؤها وشهودها أحياء، وشهاداتهم موثقة، وأولهم المجلس الأعلى للقوات المسلحة كيانا وأعضاء. كما أقر دستور 2014 بأن 25 يناير “فريدة بين الثورات في تاريخ الإنسانية”، بالتجاور مع 30 يونيو 2013.

أتابع استهداف ذلك الحدث الكوني كلما اقترب شهر يناير، وفي عيد تحرير سيناء (أبريل)، ومع اقتراب ذكرى 30 يونيو 2013، وفي ذكرى ثورة يوليو 1952، وفي الاحتفال بنصر أكتوبر 1973، على لسان أكبر رأس في مصر. وبعيدا عن مواسم لا يخلو منها شهر طوال العام، أجد يوميا تقريبا في صحيفة الأهرام صنفا من الكتبة، بقايا أرامل حسني مبارك، يهينون شعبا انتفض في “جمعة الغضب” وما تلاها، في استئساد يحذر المساس بأي توابع أثمرتها 30 يونيو 2013 التي لا تحتمل أي نقد مباشر أو غير مباشر. أسقط الاستهداف من ذاكرتي، ولا أبالي بخطب رسمية يذيعها التلفزيون، ثم انتبهت من خلال يوتيوب إلى قول السيسي، الخميس 11 أكتوبر 2018 في الدورة التثقيفية التاسعة والعشرين للقوات المسلحة، إن ما جرى في عام 2011 هو “علاج خاطئ لتشخيص خاطئ”، وكرّر الكلمات الأربع بنبرة صارمة حادة الحروف.

ولا أحتاج إلى مثل هذا التصريح، لكي يتأكد لي الموقف الرسمي من الثورة، وقد صارت كابوسا ينتهز أي فرصة لرمي ذكراها بسهم. والمفارقة أن أسبوعا واحدا شهد تناقضا، بين نص يُتلى، وارتجال في جلسة رسمية مفتوحة. ففي يوم الأربعاء 24 يناير 2018 قرأ السيسي بيانا تضمن “تحية تقدير واعتزاز إلى أبناء شعبنا المصري العظيم، بمناسبة ذكرى ثورة 25 يناير والتي كانت مطالبها النبيلة تسعى لنيل الحرية والكرامة الإنسانية وتحقيق سبل العيش الكريم”. انتهى مفعول هذا البيان بعد أسبوع. ففي الأربعاء التالي (31 يناير 2018) خاطب السيسي الشعب، ارتجالا من اجتماع بمدينة بورسعيد، مؤكدا أن ما حدث قبل سبع سنوات “مش هيتكرر تاني في مصر”، في إشارة إلى نجاة البلاد من مؤامرة عام 2011، وهذا ما يتعارض مع قول السيسي قبل خلع الزيّ العسكري عام 2014 إن الشعب قدّم إنجازا عظيما جدا، وكرر كلمة “جدا”، وأنه “في 25 يناير لما أحببتم (أن) تغيروا الدنيا غيّرتوها”. فهل كانت “المؤامرة” إنجازا؟ وكيف يصير “علاج خاطئ” إنجازا شعبيا؟ فهل نحن محكومون بمن لا ذاكرة لهم؟

لم يقف اللواء العادلي في وضع “انتباه”، بل استعاد قوته السابقة فقدم ساقه اليسرى، كما جرت عادة المثّالين في نحت التماثيل الصرحية في مصر القديمة، وقدم معلومات لا أملك تكذيبها، ولكني أقطع بكذب الاستدلال بها

رؤية السيسي الأولى للثورة تتسق مع موقف الجيش. وإذا ادعى أن 25 يناير مؤامرة، فهذا يعني أن الجيش ضليع فيها. في بيان الجيش الذي ألقاه اللواء محسن الفنجري، بعد خلع مبارك، تأكيد على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة “يتوجه بكل التحية والإعزاز لأرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فداء لحرية وأمن بلدهم”. لم ينطق اللواء الجملة متصلة، وإنما توقف عند كلمة “الشهداء”، وصمت صمتا بليغا، واتخذ وضع “انتباه”، وشدّ قامته، ورفع يده بالتحية للشهداء، ثم أكمل الجملة. وفي ظل إدارة حكم المجلس العسكري للبلاد قال المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس للشباب “قمتم بثورة عظيمة”. ولم تكن الثورة قد دخلت طور التبريد ثم التخوين، فهل مارس المجلس العسكري، تفاديا للثورة في صعودها، شيئا من التقيّة السياسية؟

أما موقف وزير الداخلية حبيب العادلي (1997ـ2011) فيسهل تلخيصه بكلمتيْ: الشيطان يعظ. لو نجحت الثورة لاختلف قصاص بدأ في 2 يونيو 2012 بالسجن المؤبد للعادلي بتهمة “الاشتراك في جرائم القتل والشروع بالقتل في جرائم أخرى”؛ والاشتراك “مع مجهولين بطريقة المساعدة في ارتكاب جرائم القتل العمد والشروع فيه”. ثم انتهى الأمر في 29 نوفمبر 2014 بتبرئته، بعد أن تحول الجلاد من متهم إلى شاهد وقاض يتهم، في قاعة المحكمة، الداعين إلى التظاهر بالعمالة لدول أجنبية، ويزعم انخراط الشعب في مظاهرات “مموّلة”. ثم قدم العادلي إلى محكمة جنائية عادية أصدرت بحقه في أبريل 2017 حكما بالسجن المشدد سبع سنوات في قضية “فساد الداخلية”، وألزمته المحكمة مع آخرين بردّ 195 مليونا و936 ألف جنيه. وقال القاضي حسن فريد في نص الحكم إن “المتّهمين باعوا أنفسهم وتحالفوا مع الشيطان”. وهرب العادلي ثمانية أشهر من تنفيذ الحكم، ثم قبل طعنه على الحكم، تمهيدا لإعادة المحاكمة.

هذا المسلسل الرتيب أورثنا النسيان واللامبالاة، ولكن العادلي رجع إلى المحكمة يوم الأربعاء 10 أكتوبر2018، شاهدا في قضية “اقتحام السجون” في جمعة الغضب. لم يقف اللواء العادلي في وضع “انتباه”، بل استعاد قوته السابقة فقدم ساقه اليسرى، كما جرت عادة المثّالين في نحت التماثيل الصرحية في مصر القديمة، وقدم معلومات لا أملك تكذيبها، ولكني أقطع بكذب الاستدلال بها. قال إن 90 شخصا من حزب الله وحماس التقوا في ميدان التحرير، وأشعلوا النيران في سيارات الشرطة، وهذا اتهام جديد يجب أن يحاكم العادلي عليه بتهمة تقصير جهازه الحديدي في اصطياد شخص واحد من 90 متسلّلا. ومن المستحيل أن يشعل 90 أجنبيا ثورة شعبية حاشدة. أما ميدان التحرير فلم يتمكن مصري واحد من دخوله قبل السابعة مساء 28 يناير 2011 بعد انهيار الشرطة. فهل انشغل المتسللون باقتحام السجون، أم بإشعال السيارات في ميدان يخلو من السجون وأقسام الشرطة؟

وبدلا من الشهادة بتقديم معلومات، تدينه بالطبع، قضى العادلي بأن 25 يناير “كانت مؤامرة”، وهذا طعن في الدستور وفي شرعية السيسي، وإدانة للجيش بحماية مؤامرة والإشادة بها. فهل يجرؤ العادلي أو غير العادلي على القول إن 30 يونيو انقلاب مدعوم بمباركة قوى خارجية؟

8