عقد الآخرين ومصائب السوريين

الجمعة 2013/10/04

من الأمور التي تدعو للتأمل والتي تنصب أخيرا في إطار قلة حظ السوريين في ربيع ثورتهم، أن تنطلق العديد من المواقف الدولية والإقليمية من خلال عقد معينة خاصة بها متعلقة بمناطق أخرى، لكنها بهذه المواقف تؤثر سلبا على الثورة السورية والشعب السوري.

الولايات المتحدة تنطلق في تبرير عجزها تجاه الأزمة السورية من عقدة العراق وأفغانستان، حيث خاضت حربين في الدولتين وكانت الخسائر كبيرة في الأرواح والمعدات في مرحلة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. ورغم أن المجازر في سوريا وصلت إلى درجة تخدش حياء وأخلاق الرأي العام العالمي وتحمل الدولة العظمى مسؤولية السكوت عن إبادة شعب بالكيماوي وتهجيره بالملايين، إلا أن حجة الأميركيين هي: أننا لن نعيد تجربة العراق، علما أن العراق كان قد اكتشف عدم وجود الأسلحة الكيمائية فيه، وقدم الأميركيون مقابل ذلك خسائر بشرية كبيرة، وفي سوريا ليس مطلوبا سوى إيقاف القتل.

أما روسيا التي استخدمت الفيتو ضد أي قرار ملزم لسوريا تحت البند السابع فهي تنطلق من ليبيا وتتحسر لامتناعها التصويت في مجلس الأمن وادعائها أن الغرب تجاوزها في التدخل بإسقاط القذافي، وأن القرار الأممي كان ينص فقط على منع قتل المدنيين بحظر الطيران فوق المناطق السكنية، وهي بذلك قد خسرت مصالحها مع القذافي، وتحاول تعويض الخسارة هناك ربحا في سوريا على دماء السوريين وجثثهم ومعتقليهم وخيامهم، وتتغاضى روسيا بل تشارك في صنع هذه المأساة سياسيا وعسكريا.

أما مصر فإنها، بعد ثورة 30 يونيو وإزاحة الرئيس محمد مرسي الذي ارتكب هو وحزبه أخطاء في قيادة الدولة، جاءت لتتجاهل معاناة السوريين حتى المهاجرين إلى مصر وتناقلت الأنباء تغير المعاملة عن المرحلة التي سبقت ثورة 30 يونيو وأن اللاجئين السوريين لمسوا هذه المعاملة السلبية بشكل واضح وأن معظمهم الآن يفكرون بالخروج من مصر علما أن بينهم رجال أعمال لهم معامل ومشاغل ومصانع في مصر وبهجرتهم يخسرون وتخسر مصر لكن عقدة الإخوان واتهام سوريين بتضامنهم مع إخوان مصر ومشاركتهم بمظاهرات مضادة للحكم الجديد، هو الذي يتسبب في الإساءة للسوريين من عديد شرائح المجتمع المصري.

وقد لمسنا ذلك من خلال ضيف برنامج الاتجاه المعاكس مجدي خليل الذي كان من أشد المدافعين عن الديموقراطية في العالم العربي ومن أشد الناس كفاحا ضد الاستبداد والدكتاتورية، لكنه تغير في الموضوع السوري بقدرة قادر وتحول إلى موقف ضبابي جامد مفاده الصمت والتفرج على ما يحدث، بالقول أن أميركا عليها أن تتفرج على المأساة السورية دون عمل شيء وأن على السوريين مواجهة مصيرهم بأنفسهم، وكأن السوريين هم سبب مأساة العالم، والعالم ينتقم منهم فليأخذوا نصيبهم من الشقاء والجحيم إلى إشعار آخر.

هذه هي مواقف دول تنطلق من عقد ولا تنطلق من واقع حقيقي بإحداثيات جغرافية وديموغرافية تتكلم وتتحرك، حلقات مسلسله ماثلة أمام شاشات العالم التي تأخذ الصورة من الحدث وتبث مباشرة شخصيات وبنى تحتية تقتل وتدمر أمام مرأى العالم ومسمعه ولا من يحرك ساكنا. والكل يبدي موقفا هزيلا منطلقا من قضايا لا تتعلق بالحدث السوري مباشرة، وإنما من قضايا بعيدة أو قريبة، وكل هذه المواقف تنعكس انفجارا واستفحالا ودمارا في المشهد السوري، مما يضفي على اللوحة السورية مشهدا سرياليا قد تعجز سينما الخيال والفانتازيا على القدرة على التقاط إحداثياته أو حتى تقترب منه.


كاتب سوري

9