عقد الزواج بأجنبية تأشيرة عبور من قارة إلى أخرى

يلجأ الكثير من الشباب في الدول العربية إلى الزواج بأجنبيات كحل للخروج من أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. ويحلم هؤلاء بالحصول على فرصة للعمل والإقامة في موطن الزوجة آملين تجديد حياتهم وتحقيق طموحاتهم غير آبهين بالفوارق بينهم وبين الشريكة. ولا يهتم هؤلاء كثيرا بالزواج كخطوة أولى في بناء أسرة، ولا يعيرون اهتماما للحياة الزوجية والأسرية وبالتالي يكون مآل أغلب هذه الزيجات الفشل حتى في ظل وجود أبناء.
السبت 2017/02/25
زواج توي بوي

يدفع اليأس شباب الدول العربية التي تعاني من ظروف اقتصادية متدهورة إلى البحث عن حلول غير تقليدية للتخلص من أوضاعهم المعيشية المتردية. ونجد في مجتمعاتنا العربية اليوم شبابا بمستويات تعليمية متفاوتة يعلقون جميع آمالهم على الهجرة ويجدونها الحل الأمثل. فهناك من الشباب من يرمي بنفسه في ما يسمى “قوارب الموت” ويختار الهجرة غير الشرعية رغم مخاطرها، في حين يختار غيرهم طريقة أخرى للهجرة تبدو أكثر أمانا من الأولى؛ الزواج بأجنبية تمكنهم من الحصول على تأشيرة السفر أملا في إيجاد عمل وإقامة في موطنها.

وأكد علماء اجتماع أن الزواج بهذا الشكل يفقد معناه كخطوة أولى لبناء أسرة ولتحقيق الاستقرار العاطفي والاجتماعي عندما يتحول إلى مجرد عقد للعبور من قارة إلى أخرى. وأشاروا إلى أن الشباب في تونس يحاولون إيجاد الطريقة الملائمة للتعرف على امرأة أجنبية والتواصل معها بقطع النظر عن سنها وجمالها ووضعها الاجتماعي معتبرين الدخول معها في علاقة تتوج بإبرام عقد زواج ومن ثمة السفر معها الحل الأنسب للهروب من واقعهم الاجتماعي والاقتصادي حيث ضاقت أمامهم آفاق إيجاد سبل العيش الكريم.

وتمثل منصات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها الفيسبوك أهم وسائل التعارف وربط العلاقات بأجنبيات إلى جانب اصطياد السائحات القادمات إلى تونس. ويتيح التواصل الافتراضي للشباب فرصة تقديم أنفسهم على غير حقيقتها فيدعون الإعجاب بالمرأة الأجنبية ووقوعهم في الحب بغرض إقناعها بالارتباط بهم دون الإفصاح عن أهدافهم الحقيقية من هذا الارتباط.

يأس الشباب وتركيزهم على المادة والمظاهر مثل امتلاك منزل وأموال، يجعلهم لا يهتمون بقيمة الزواج والروابط الأسرية

ونظرا لتزايد حالات الفشل في هذا الزواج حسب المختصين وما يمكن أن ينجر عنه من مشاكل تكوّن وعي لدى النساء الأجنبيات بأن أغلب الشبان في تونس الذين يحاولون الارتباط بهن إنما يسعون وراء التأشيرة والهجرة وليس وراء الزواج بدافع الحب أو تكوين أسرة.

ويرى المختصون في علم الاجتماع أن هذا النوع من الزواج الذي يصطلح عليه بـ“الزواج الأبيض” أو “زواج المصلحة” مازال يمثل حلم الخلاص من واقع البطالة لدى الشباب في تونس، ويؤكدون أنه رغم الصورة السيئة لهذه الفئة لدى النساء في الغرب إلا أن عقود الزيجات من هذا النوع كثيرة وفي تزايد متواصل. وغالبا ما تجلب الانتباه إليها بسبب عدم التكافؤ بين الطرفين ليس فقط لكونهما من جنسيتين متباينتين وثقافتين مختلفتين بل خاصة عندما يكون الرجل في سن الشباب والمرأة عجوزا.

وتشير العديد من الدراسات التي تناولت هذا النوع من الزواج المختلط إلى أن لكل طرف دوافعه الخاصة للدخول في هذه العلاقة فأحيانا تقبل الأجنبيات الزواج بشاب للتخلص من الوحدة موهمة نفسها بأنها تعيش قصة حب، وكأنها تدخل في مرحلة من خداع نفسها والمحيطين بها لتعيش مغامرة عاطفية تأمل من ورائها استعادة شبابها وأنوثتها. أما الشاب فيعتمد أكثر الحلول المتاحة أمامه سهولة لتحقيق طموحاته المادية غير آبه بنظرة محيطه وبالأحكام الأخلاقية التي يصدرها المجتمع تجاهه.

ولا يتردد الشباب العاطلون عن العمل وخصوصا المنتمين إلى عائلات فقيرة أو متواضعة ماديا في التفكير في الزواج الأبيض على أنه سبيله الأمثل للهجرة التي يعلقون عليها جميع طموحاتهم رغم ما يثيره هذا الزواج من جدل.

وينوه الخبراء إلى أن الزواج بأجنبيات يعد حلما بالنسبة للشباب اليائسين أكثر من غيرهم مشيرين إلى أن يأسهم يقف وراء إلغائهم للجوانب العاطفية في الزواج وأن تركيزهم على المادة والمظاهر مثل امتلاك سيارة ومنزل وأموال يجعلهم لا يهتمون بقيمة الزواج والروابط الأسرية.

من ناحية أخرى سلطت العديد من وسائل الإعلام المحلية الضوء على سعي الشباب التونسي للزواج بأجنبيات من أجل الحصول على تأشيرة السفر وأوراق الإقامة في الدول التي يرغبون في الهجرة إليها. واعتبرت أن هذا الزواج بات يشكل ظاهرة في المجتمع التونسي ولاحظت أن الغريب في الأمر أن العديد من الأسر أصبحت تقبل بل وتسر بزواج أبنائها من أجنبيات حتى لو كن لا يناسبنهم ويفقنهم في السن. وتعتبر هذه الأسر إقدام الابن على زواج المصلحة حلا يمكنه من تأمين مستقبله ويجنبه الهجرة غير الشرعية ويحميه من الانصياع وراء الانحراف والجريمة والإرهاب. وربما ينجح هذا الابن في مساعدة عائلته ماديا وينتشلها من العوز.

القبول المجتمعي يحيل إلى أن هناك تغيرا تدريجيا في نظرة المجتمع التونسي للزواج وللعادات والتقاليد

هذا القبول المجتمعي يحيل إلى أن هناك تغيرا تدريجيا في نظرة المجتمع التونسي للزواج وللعادات والتقاليد.

ولكن هذا لا ينفي وجود فئات واسعة من المجتمع ترفض هذه الطريقة في الزواج وتعتبرها ظاهرة خطيرة يذهب ضحيتها الشباب العاطلون عن العمل والمنتمون إلى الأوساط الفقيرة حيث يقدمون على إلغاء أحلامهم بالحب وبحياة زوجية مثالية ويضحون أحيانا بسنوات من أعمارهم لأجل تحقيق الاكتفاء المادي.

ويحذر الباحثون في علم الاجتماع من تبعات انتشار هذا الزواج وتأثيره على بنية المجتمع وتماسك الأسر، لأنه يفقد العلاقة الزوجية المشاعر المتبادلة وما ينجم عنها من انسجام ويجعل الزواج أشبه بمشروع يقوم على المصالح المادية وأحيانا على استغلال الشريك وينتهي بمجرد بلوغ كل طرف أهدافه. وفي الكثير من الحالات يثمر هذا الزواج أبناء يكونون ضحية لهذه الصفقة وأكبر الخاسرين منها.

ويؤكد واقع العديد من التجارب التي عاشتها أسر بنيت على الزواج بأجنبية لأجل الهجرة أن الطفل الذي يولد في هذه الأسر يتعرض لمشكلات نفسية بحكم نشأته في وسط أسري غير متوازن. كما يمكن أن يجابه في ما بعد مشاكل مرتبطة بالحضانة وبالطلاق في حال انفصال الزوجين ليعيش الحرمان الفعلي من أحدهما.

21