عقد السبحة المصرية ينفرط جراء المنافسة

الكثيرون لا تتجاوز علاقتهم بالسبحة مجرد التسبيح بها ذاكرين الله، ومع ذلك فإن لها عالما خفيا يجهله الكثيرون، من حيث الصناعة والخامات والأنواع والأسعار، والأخطر من ذلك أنها صناعة باتت تواجه خطر الانقراض والاندثار ولم يعد يعمل في مجالها إلا عدد قليل من العمال.
الثلاثاء 2017/05/30
عالم خفي

القاهرة – ارتبطت السُّبحة أو المِسبحة بشهر رمضان، كونه الشهر الذي يزداد فيه الإقبال على استخدامها عن بقية أشهر العام، وتعد منطقة الجمّالية بوسط القاهرة سوقا كبيرة للسِّبح ولبقية السلع التراثية التي تشتهر بها مصر.

ويقول أحمد حسن صاحب ورشة بشارع الأزهر بالجمالية تحمل اسم “عالم السبحة”، لـ“العرب” إنه من الممكن في مجال السبح أن يصل سعر الواحدة منها في بعض الأحيان إلى 100 ألف جنيه (ما يقرب من خمسة آلاف دولار) عندما تكون مصنوعة من “الكهرمان” أو “قرن الخرتيت”، ولكل صانع سبح طريقة في العمل والتسويق خاصة به.

وعن أنواع الخامات التي تصنع منها أوضح أحمد الذي ورث المهنة عن والده أنها كثيرة وتصل إلى مئة خامة، منها: البلاستيك، والعاج، وخشب الأبانوس، والصندل، والعود، والبن المضغوط، والباكالايت الألماني الذي يتسم بالرائحة الذكية كلما استخدمت السبحة أكثر وهو لا يتأثر بالحرارة، ويتراوح سعر السبحة المصنوعة من هذه الخامة ما بين 400 جنيه إلى 12.5 ألف جنيه.

وتتم عملية تصنيع السبح عبر 22 خطوة، تبدأ بمرحلة فصل الخامة التي ستتم صناعة السبحة منها على جهاز “السلاح الحديد” حسب الحجم المطلوب لها، تليها مرحلة التخريم، ثم “الجلخ” أي خرطها لمنحها الشكل الجمالي، ثم مراحل التنعيم، فالتشطيب، فالتلضيم، أي تمرير الخيط داخل الأخرام.. وأخيرا التلميع.

وتتكون السبحة التقليدية من 33 حبّة، وفاصليْن يسمى كل منهما “تفسير” يفصلان كل 11 حبة عن بعضها، ثم مئذنة في أعلى السبحة، ومحبس، و3 حبات للتشهد وتمليكة، وأخيرا الغطاء.

صناعة سبحة واحدة تستغرق أقل من 24 ساعة، وأقصى وقت يمكن أن يستغرقه صنع سبحة بمواصفات خاصة يكون 15 يوما، وغالبية الخامات يتم استيرادها من تركيا، ويتراوح وزن السبحة بين 20 و120 غراما، وتُستخدم في صناعتها خيوط حرير مصرية تختلف حسب حجم الخرز، والذي يحسب بالمليغرام.

يذكر أن مصر تحتل المركز الثاني بعد تركيا على مستوى العالم في صناعة السبح، وكانت الصناعة دخلت إليها قبل 70 عاما، لكن الإقبال داخل السوق المصرية يشتد على السبح الصينية فقط نظرا إلى رخص الثمن حيث يبدأ سعرها من 10 جنيهات فقط (نحو نصف دولار).

ويعتبر المواطنون الخليجيون الزائرون لمصر أكثر إقبالا على شرائها، وخاصة على السبح المصنوعة من الباكالايت والكهرمان، والتي يبدأ سعرها من 3 آلاف جنيه (140 دولارا)، وتزدهر سوق السبح في موسمي الحج والعمرة، ويعرض أصحاب الورش ابتكاراتهم في تصنيعها على موقع إنستغرام.

وقال سامح الواحي، صاحب ورشة لصناعة السبح، لـ”العرب” إن خامة الباكالايت الألماني مصنعة من مواد بترولية لا تتأثر بالحرارة، لكن يمكن أن يتأكسد لونها، وتأتى إلى مصر في ثلاثة ألوان؛ الأحمر والأخضر و”الأصفر المشبّح”، وتستخدم ألمانيا هذه الخامة كأجزاء من أعمدة الإنارة لعدم تأثرها بالحرارة، أما خامة “الفاتوران” فهي أيضا ألمانية المنشأ إلا أن تركيا بدأت تنتجها بسعر أقل، وتأتي الخامات جميعها على هيئة قوالب ثم يتم تقطيعها وتشكيلها.

وعلى الرغم من معاناة صانعي السبح من ارتفاع أسعار الخامات المستوردة نتيجة لارتفاع سعر الدولار بعد تعويم الجنيه في مصر، إلا أنهم رفضوا تقليل جودة السبح لأن ذلك سيضر بسمعتهم وسمعة مصر في هذه الصناعة.

وعن أشكال الخرز بعد خرطها، أوضح سامح أن الأشكال الأكثر استخداما هي التفاحي، والبراميلي، والدائري، والإسطنبولية، وأشار إلى نوع آخر من السبح يسمى سبحة “الكوك” وهي مصنوعة من ثمرة جوز الهند الصغيرة وتتميز بالرائحة الطيبة ويكون سعرها 20 جنيها (دولارا واحدا) إذا كانت حباتها “سادة”، أما لو كانت منقوشة فتصل إلى 600 جنيه (حوالي 30 دولارا).

وأهم مشكلتين يعاني منهما صانعو السبح في مصر، الأولى بيئية تتعلق بروائح المواد المستخدمة التي تؤثر على الرئة وتسبب السرطان على المدى البعيد نتيجة لتطاير بواق منها على العاملين في هذا المجال، والثانية اقتصادية وتتمثل في تضاعف أسعار الخامات لأنها كلها مستوردة بعد ارتفاع الدولار.

ولا تزال السبح اليدوية محتفظة بقيمتها ورونقها وتظل هي الأكثر استخداما، على الرغم من انتشار السبح الرقمية “الديجيتال” في مصر، وفى بعض الأحيان يتعدى دورها في أن تكون أداة لذكر الله وحسب لتصبح جزءا من الديكور والدعاية.

24