عقد على رحيله.. إدوارد سعيد والماركسية

الأربعاء 2013/09/25

عقد مضى على رحيل ادوارد سعيد المفكر والناقد والسياسي. الذي تحل ذكراه هذا العام، في ظل ثورات الشعوب العربية، التي طالما انحاز لها، والتي أطاحت حتى الآن بحكام تونس ومصر وليبيا واليمن. بينما يستمر الشعب السوري في ثورته التي اندلعت منذ أكثر من عامين، ضد نظام وطاغية لم يعرف لهما التاريخ مثيلاً في الإجرام.

تميز موقف الغرب، وعلى رأسه أميركا، حيال الثورة السورية، وحيال ما يرتكبه النظام الأسدي، من مذابح يومية بحق الشعب السوري، بغياب البعد الأخلاقي والانساني. هذا الغياب الذي طالما تحدث عنه وانتقده ادوارد سعيد. الذي سنحاول، هنا وفي ذكرى رحيله، تسليط الضوء على فكره الانساني، وإثبات الادعاء، بأن ما يجمع بين المدارس الفكرية، كالماركسية والأنسنية، التي تنطلق من الانحياز للإنسان وتضعه في سلم أولوياتها، هو أكبر مما يفرقها.

يزعم البعض أن لا تناقض بين الأنسنية والماركسية كمذهبين فكريين أو نظرتين للعالم، وعليه، من الطبيعي أن يستنتج هؤلاء، أن المفكر الأنسني الراحل إدوارد سعيد، إن لم يكن ماركسياً فهو أقرب إليها مما يظن البعض. نعم، إن تحقيق إنسانية الإنسان، عبر تخليصه من كل أشكال الاضطهاد والاستغلال واللا مساواة، هو الهدف الذي تقول الماركسية أنها تسعى له، وهو ما يتواشج مع النزعة الأنسنية، لدى إدوارد سعيد، التي تنطلق من الانحياز المطلق للإنسان المضطهد والدفاع عن حقوقه أينما كان، وتتطلع إلى تحقيق السلام والعدل والمساواة والديمقراطية، وتخليص العالم من الامبريالية وحروبها، وبناء عالم تتعايش فيه الحضارات وتزال منه الحواجز بين البشر.

سنجازف، ونقول أن قراءة ماركس وأنجلس ولينين وتروتسكي وغرامشي وسمير أمين تقود إلى إدوارد سعيد وأن قراءة مؤلفات إدوارد سعيد والإحاطة بفكره تحيلنا لتصنيفه مفكراً ماركسيا. إن رأينا هذا ليس بسبب ما عبّر عنه إدوارد سعيد من إعجاب ببعض الماركسيين كغرامشي ولوكاش وأدورنو وغيرهم، ولا لكونه قال بوضوح بأن هناك حاجة لإعادة إحياء الماركسية. فهناك ما ينفي استنتاجنا السابق، وبلسان إدوارد سعيد نفسه الذي كثيراً ما وجه انتقاداته للماركسية ولأهم رموزها «كارل ماركس»، مشيراً إلى محدوديتها، ناهيك عن موقفه النقدي من البلشفية و«لينين». فضلاً عن ذلك، يلاحظ أن إدوارد سعيد، لم يعر اهتماماً يذكر بالاقتصاد ونظرياته الذي يشكل حجر الزاوية في البناء الماركسي. إن حجتنا التي نستند لها فيما خلصنا إليه هي فرضية مفادها أن ليس المهم ما يقوله المرء عن نفسه بل ما يفعله. فهناك الكثيرين ممن يصنفون أنفسهم ماركسيين لكنهم في ممارستهم غريبين عنها وعن تمثل منهجها وتصوراتها للواقع.

بل إن أمثال هؤلاء كان لهم دوراً كبيراً فيما تعرضت له الماركسية من تحريف وما أصابها من هزائم. إن قراءة الماركسية قراءة نقدية على ضوء المتغيرات الجديدة كل ذلك، يجعل ممن يقوم به أقرب إلى الماركسية من أولئك الذين يدينون لها بالإيمان المطلق والولاء الأعمى. وفي الوقت الذي ينظر فيه بعض أنصار الماركسية إلى نصوص المؤسسين على أنها مقدسة ونهائية، يصر خصومها على النظر لأولئك الأنصار كوكلاء حصريين للماركسية، وذلك كي يسهل عليهم نقدها، والبرهنة على فشلها. وبذلك يلتقي، بوعي أم بغير وعي، الأنصار والخصوم.

مرة أخرى، ليس مهماً ما يقوله المرء عن نفسه، بل ما تقوله أفعاله وأمهات أفكاره. فإذا كان إدوارد سعيد أجاب حول موقفه من الماركسية بالقول أنه ليس ماركسياً، فقد سبقه إلى ذلك ماركس نفسه بقوله: كل ما أعرفه أنني لست ماركسيا. وهي الإجابة التي يمكن تفسير أسبابها بأن المنهج الذي يؤمن به كل من ماركس وسعيد يتعارض مع الحقائق المطلقة والأحكام النهائية التي تغلق آفاق التطور والمعرفة، والذي ينطلق في تفسير الواقع والتاريخ من رؤية العناصر والقوانين المتداخلة والمتناقضة. الأمر الذي يدعو للزعم، أن طباق إدوارد سعيد هو الوجه الآخر، لجدل كارل ماركس. وأن «السعيدية» كفكر، ربما تكون، واحدة من المدارس الماركسية.


كاتب فلسطيني

9