عقلية الاجتثاث تسد آفاق المصالحة المنشودة في عراق ما بعد داعش

سياسة ترفع منسوب العداء و تكرس الفرقة بين مكونات المجتمع العراقي.
الجمعة 2018/03/16
طال الانتظار

بغداد - يقلّل عراقيون من إمكانية تحقيق اختراق ملموس في ملف المصالحة بين مختلف مكوّنات المجتمع، لإطلاق مرحلة جديدة في البلد الذي اكتوى على مدى السنوات القليلة الماضية بحرب داعش التي تعتبر حسب بعض المحلّلين نتيجة مباشرة لارتفاع منسوب الطائفية في البلد والذي مكنّ التنظيم المتشدّد من إيجاد أرضية له داخل أوساط المهمّشين وضحايا السياسات الخاطئة.

ويرى ساسة وقادة رأي عراقيون أنّ العقلية التي أدّت إلى مآسي السنوات الماضية، لا تزال ماثلة لدى عدد من السياسيين وكبار المتحكّمين بالسلطة وصناعة القرار، ما يجعل من شعارات التغيير المرفوعة بمناسبة الانتخابات المقرّرة لشهر مايو القادم جوفاء وعديمة المعنى.

ومع اقتراب موعد الانتخابات عادت ملاحقة من يعتبرون محسوبين على نظام حزب البعث الذي حكم العراق حتى سنة 2003 والتضييق عليهم، في نطاق ما يعرف بـ”الاجتثاث” لتطفو على السطح مجدّدا مع إصدار هيئة المساءلة والعدالة لقائمتين تضمّنتا أسماء آلاف من المشمولين بمصادرة أموالهم بدعوى أنّ لهم صلة ما بالنظام المذكور.

عودة الرحلات الدولية إلى مطاري أربيل والسليمانية

 السليمانية (العراق) - ارتفع منسوب النشاط، الخميس، في مطاري أربيل والسليمانية بإقليم كردستان العراق اللذين أمر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رسميا بإعادة فتحهما أمام الرحلات الدولية، بعد تعليقها أواخر سبتمبر الماضي في نطاق الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة المركزية العراقية إثر الاستفتاء الذي انتظم في الإقليم بشأن استقلاله عن العراق. وسيخضع تشغيل المطارين لسلطة الحكومة المركزية، بعد أن كانت إدارتهما قبل الاستفتاء المذكور بيد حكومة كردستان، وذلك كعمل من أعمال سيادة الدولة العراقية وسلطتها على المنافذ الخارجية للأقليم. وقال المكتب الإعلامي للعبادي في بيان نشره الخميس “وجه رئيس مجلس الوزراء بفتح مطاري السليمانية وأربيل أمام الطيران الدولي بعد أن تم استكمال الإجراءات القانونية والدستورية بالسيطرة الاتحادية على المطارين”. وأفاد البيان بأن السلطات الكردية وافقت على خضوع المطارين للسلطة الاتحادية وتبعيتهما لوزارة الداخلية في بغداد. وإلى حدود الأمس كان يسمح لرحلات الطيران الداخلية فقط بالهبوط والإقلاع من المطارين، في حين علقت شركات الطيران الأجنبية رحلاتها إليهما بناء على أمر من الحكومة المركزية. 

ولم تخل هذه الخطوة ذات المظهر القانوني، حسب البعض، من خلفيات سياسية لأطراف تقيم دعايتها الانتخابية على دغدغة مشاعر العداء والتفرقة الحزبية والطائفية.

ويقول غسان العطية، راعي المبادرة الوطنية العراقية “موطني” إنّ “مصادرة أملاك وأموال البعثيين تعمق الحقد والكراهية في العراق”، مؤكّدا أنّ “استيلاء أصحاب النفوذ والقيادات الحزبية على تلك الأملاك وجه من أوجه الفساد الذي يعاني منه البلد”.

ومن جهته اعتبر القيادي في جبهة الحوار الوطني حيدر الملّا أن ملف المساءلة والعدالة “أضرّ بالمجتمع وأفرغ الدولة من أهم كفاءاتها”.

وقال في بيان “تابعنا بمرارة الأضحوكة المسمّاة قانون 72 لسنة 2017 والذي نصّ على حجز ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لأركان النظام السابق، والمتضمّنة مصادرة الممتلكات وضمّها لعائديّة وزارة المالية”.

وأضاف النائب السابق بالبرلمان العراقي “إننا إذ نستغرب الفكر الثأري الرجعي الذي لم يجلب سوى الويلات للعراق، فإننا نوجه خطابنا لكل الطبقة التي تفكر بطريقة انتقامية، بينما الأصل شرعا وقانونا هو براء الذمّة”، مؤكدا ضرورة أن “يكون هناك تفكير عقلاني ينهي حماقات الـ15 عاما الماضية من العقوبات الاعتباطية بحق فئة من العراقيين، بينما في الوقت ذاته نعرف أن هناك ادعاء عاما، وقضاء، يتم اللجوء إليه لمحاسبة أي مواطن عراقي يشكّ بأنه قد أثرى على حساب المال العام”.

وأشار الملا إلى أن “من مضحكات هذه الممارسات اللا بشرية واللا منطقية هو أن هذا القرار الاعتباطي شمل كثيرا ممّن كانوا قد توفوا من 30 عاما أو يزيد، أو أشخاصا قضوا في الحرب ضد الإرهاب، وهذا دليل صارخ على أن القرارات تتخذ بلا تفكير، وأنها عقابية جماعية، وتسبب الإهانة وتدمير أسر كاملة”.

وتابع حيدر الملاّ “من يريد المحاسبة فليحاسب الطبقة السياسية الحالية، التي يشكّل كثيرون منها طبقة أثرياء، انتقلوا
من المعونات الاجتماعية في أوروبا إلى الحديث بالمليارات، فضلا عن كل أموالهم غير المشروعة التي تسرق عيانا من أفواه المواطن العراقي”.

وورد بذات البيان أيضا “لعلّ هذا القانون سيئ الصيت يكون مناسبة لينتهي ملفّ المساءلة والعدالة، الذي أضرّ المجتمع، وأفرغ الدولة من أهم كفاءاتها، الأمر الذي انعكس على أمن العراق واقتصاده وتعليمه وكلّ المفاصل الأخرى، وبدا واضحا لكلّ ذي عقل أننا أمام ملف سياسي اتخذت فيه قرارات وشرّعت فيه قوانين على مزاج السلطة التي تقرّب من تريد وتقصي من تريد بتهمة المساءلة والعدالة أو الاجتثاث”. وطالب بأن “يتخذ قرار سياسي حكيم وعاجل بإنهاء محاكم التفتيش تحت مسمى المساءلة والعدالة، وتحويله إلى ملف قضائي، لينال كلّ مواطن جزاءه إن كان مذنبا أو بريئا”. وتصادف نهاية الحرب على تنظيم داعش في العراق نهاية الدورة النيابية وتنظيم انتخابات عامّة جديدة يتمّ من خلالها تحديد من يتولّى رئاسة الوزراء أهمّ منصب تنفيذي في الدولة. وتقود الحكومةَ العراقية منذ سنة 2003 أحزاب شيعية يتهمّها خصومها بالتشدّد الطائفي وبتفكيك وحدة المجتمع وإضعافها. لكن الثابت الملموس على أرض الواقع هو حجم التراجعات الكبيرة والشاملة التي طالت الدولة العراقية وأضعفتها إلى حدّ بعيد، ما يجعل الأصوات ترتفع منادية بجعل الانتخابات المرتقبة فرصة للتغيير.

3