عقلية التنظيم التي تحكم قطر

لم يعد خافيا على العالم دور قطر في دعمها للإرهاب وبؤره. واستطاعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر أن تضيّق الخناق على الدوحة لردعها عن هذا الدور حماية للأمن القومي العربي. وبفقدانها لدعم البيت الخليجي تبدو الدوحة في وضع صعب، لما ارتكبته من أخطاء استراتيجية قادتها للعزلة من خلال تبنيها دور الراعي للإسلام السياسي وتفرعاته المتشددة، فاقتربت بذلك من عقلية التنظيم وابتعدت عن عقلية الدولة.
الاثنين 2017/06/12
تحت مظلة إخوانية واحدة

ماذا تريد قطر؟ تبدو الإجابة عن هذا السؤال اليوم صعبة للغاية. حتى داخل قطر نفسها لا أحد يعرف ما يريد صانع القرار بالضبط. الصدمة مازالت هي المتحكم في سلوك قطر إلى الآن. الاستنجاد بإيران وتركيا هو سلوك دولة ترى نفسها في وضع صعب ومؤلم للغاية. كل ذلك كان متوقعا. إظهار روح المقاومة وتوظيف خطاب المظلومية، والإيحاء بأن قطر لا تقف وحدها أمر طبيعي. هذه المعركة ليست نزهة ومن أقدموا عليها يدركون ذلك تماما.

السعودية ومصر والإمارات والبحرين لم تحاصر قطر، بل قطر هي من ضربت حصارا على نفسها. كل ما قامت به هذه الدول هو أنها ضغطت على علاقة قطر المعروفة مسبقا بالإسلاميين والتكفيريين، وأخرجت أبعاد علاقتها بإيران إلى العلن.

كيف كان رد الفعل القطري؟

لم تفعل قطر شيئا سوى أنها استنجدت بالإخوان المسلمين وركضت باتجاه إيران. العملية ببساطة لم تكن سوى إرخاء حبل لقطر التي لم تتردد في لفه حول رقبتها. في معركتها لفك الحصار، يبدو أن لا مانع عند قطر من هدم مجلس التعاون الخليجي برمته. إيران تكسب موطئ قدم سياسي وعسكري على اليابسة الخليجية لأول مرة.

في السابق كان الأمر مقتصرا على حياد سلطنة عمان وحفاظها على خط سياسي واضح لا يسمح لأي من السعودية ولا إيران بالتغوّل على مصالح الآخر. باقي دول الخليج كانت تتعايش مع هذا الواقع، وإن على مضض. لكن يبدو أن قطر مستعدة لأن تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. الاستقواء بالقاعدة العسكرية التركية كان خطأ فادحا. طرح الحلول العسكرية في مثل هذه الظروف هو لعب بالنار. القاعدة، التي تعتبرها قطر عاملا من عوامل استقرار منطقة الخليج، هي في جوهرها ما سيقود إلى انهيار المنطقة لو لم يتم تدارك تأثيرها بشكل عاجل. رغم مزاج الدفاع والتحدي الذي يظهره القطريون، فإن الجغرافيا مؤلمة. الجغرافيا تستطيع أن تكون أشد وطأة على خصمها أكثر كثيرا حتى من الحرب.

المشكلة ليست في الطعام والشراب. من قال إن أحدا في السعودية أو الإمارات أو البحرين يريد تجويع الشعب القطري والوافدين المقيمين هناك؟ فضلا عن الروابط القبلية والثقافية والدينية، هذه جريمة حرب لا يرغب أحد في التورط بها!

علاقة الشيخ حمد بن خليفة بدول المنطقة يسودها طابع الشخصنة. جوهرها مرتبط بشعور المظلومية الذي يشبه نفسية الإسلاميين

فلتذهب قطر حيث تشاء بحثا عن الطعام والماء. دعها أيضا تستمر في بيع الغاز والنفط. لا أحد يقف ضدها في ذلك أو يرغب في تعطيله. الخطأ سيكون حقا إذا لجأت قطر إلى فك الحصار عليها عبر محاولة فرض حصار مماثل على دول الجوار.

المنطقة اليوم صارت منقسمة إلى معسكرين. المعسكر الأول يضم السعودية ومصر والإمارات والبحرين. هذا المعسكر هو تعبير عن الأنظمة التقليدية القديمة التي تبحث عن شكل من أشكال الاستقرار وسط كل هذه الفوضى.

المعسكر الثاني يضم قطر وتركيا وإيران والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة الذي تدعمه قطر، وكل الميليشيات الشيعية التي تحركها طهران. هذا معسكر يحمل مشاريع سياسية تقوم على خلق فوضى قد تسمح لمكوناته بالصعود إلى الحكم أو تعزيز النفوذ أو نشر أيديولوجيات متشددة أو طائفية.

هناك من يريد في قطر أن يمهد الطريق للمعسكر الثاني كي يلتف على المعسكر الأول ويطوقه. هذه المرة مسرح العمليات هو منطقة الخليج.

تبني أفكار متشددة

قطر مثل الإبن الذي يبدأ بالتدريج في تبني أفكار متشددة تقوده مع الوقت إلى التصرف بعنف وقلة ذوق تجاه باقي أفراد الأسرة. بعد قليل يبدأ هذا الابن في إطلاق لحيته وانتهاج كل ما هو متطرف من أفكار وسلوك. حتى في بحثه عن الأصدقاء تجده يذهب إلى المتطرفين وأصحاب الصخب وعاشقي الفوضى.

عادة ما تكون ردود فعل هذا الابن غير متوقعة. السلوك المتطرف قد يدفعه إلى فعل أي شيء، حتى لو وصل الأمر إلى هدم البيت على رؤوس ساكنيه في سبيل الوصول إلى ما يريد.

لم تتحرك باقي الدول الخليجية بهذا الحسم سوى عندما أيقنت أن البيت على وشك السقوط. قناة الجزيرة التي لعبت دورا حاسما في دعم المتشددين للوصول إلى الحكم في دول عربية أخرى، بدأت تطبّق نفس المنهج في منطقة الخليج.

من البحرين واليمن إلى المنطقة الشرقية في السعودية، كانت قطر تريد أن تمسك بطرفي الأزمة معا. الإسلاميون، سنة وشيعة، كانوا الجنود الذين يترجمون القصف الإعلامي المتواصل على الأرض. قطر صارت تشبه الجماعات التي تدعمها.

ما لم تدركه قطر هو أنها أول من سيدفع ثمن أي فوضى تطال الخليج. إذا اهتز استقرار السعودية، ستصبح أيام قطر معدودة

ما لم تدركه قطر هو أنها أول من سيدفع ثمن أي فوضى تطال الخليج. إذا اهتز استقرار السعودية، ستصبح أيام قطر معدودة. في فهمها للقضايا الاستراتيجية المحيطة بها، تقترب قطر من عقلية التنظيم، وتبتعد عن عقلية الدولة.

الأزمة الحقيقة هي في نظرة أصحاب القرار في قطر إلى المنطقة. ثمة دول كبيرة تمتلك إمكانيات وثقافة القيادة ودور أوصلتها جميعا إلى مرحلة النضج السياسي. قطر هي دولة ذات إمكانيات مالية هائلة، لكنها لم تصل بعد إلى سن الرشد.

تأخر الوعي في عقل قطر له سبب محدد هو استمرار هيمنة الأمير الوالد. علاقة الشيخ حمد بن خليفة تاريخيا بدول المنطقة يسودها طابع الشخصنة. جوهر هذه النظرة مرتبط بشعور المظلومية، الذي يشبه كثيرا نفسية الإسلاميين الذين لطالما حظوا بدعمه.

لا ينسى الشيخ حمد بن خليفة الأحداث التي تزامنت مع انقلابه على والده الشيخ خليفة بن حمد عام 1995، ولا ينسى أيضا محاولة الانقلاب عليه عام 1996 بواسطة اثنين من أبنائه. الظروف في المنطقة كلها تغيرت، لكن الشيخ حمد لم يتغير.

فلسفة الشيخ حمد بن خليفة لسياسة قطر الخارجية هي فلسفة ثأرية لا أكثر. وزن مصر الثقيل في المنطقة سدّ تاريخيا أي أفق أمام قطر لكي تبني بدورها أي وزن. من وجهة نظره أيضا، مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يمثل لقطر كل شيء آخر إلا التعاون. هاجس الأمن والخوف مما قد يطيح به من الداخل، أو ما قد يأتي عليه من الخارج تحكّم بالكامل في عقيدته للحكم.

هذا الهاجس هو ما دفع قطر للإسراع في الاستعانة بإيران وتركيا لمواجهة من تعتبرهم قطر إلى الآن “أشقاء”. في لحظة قد يتحول “الأشقاء” إلى “أعداء”. هذا طبيعي في قطر.

الشروط التي وضعتها دول الخليج ومصر صعبة بالنظر إلى التغييرات الجذرية التي ستكون قطر مضطرة إلى إدخالها على نظام الحكم ورؤيته كي تصبح قادرة على الاستجابة إليها. رغم تفاؤل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح باستعداد قطر لتفهّم “مخاوف وهواجس أشقائها”، يظل التغيير بعيدا.

هذا الوضع سيتغير حتما إذا ما فهمت قطر أن ما يحصل اليوم ليس أزمة مؤقتة، بل قد يتحول إلى وضع دائم ما لم تقدّم تنازلات.

كاتب مصري

7