عقل إعادة الأمل وعقل الانتصارات الإلهية

الجمعة 2015/04/24

لم يكن الممانعون يتوقعون أن تنتهي أعمال “عاصفة الحزم” بهذه السرعة. ليس للأعمال الحربية نهاية بالنسبة إليهم، بل هي سياق مقصود لذاته، ولا يتوخى تحقيق أهداف محددة.

كان الإعلان عن انتهاء أعمال عاصفة الحزم مفاجئاً بالنسبة إلى المؤيدين والأعداء على حد سواء، لأنه أظهر سلوكا غير معتاد في حل النزاعات في المنطقة. كشف الحلف العربي بقادة المملكة العربية السعودية عن نزوع متصل بالزمن يربط استخدام القوة العسكرية بهدف تحقيق السلام والعودة إلى السياسة.

تفيد تسمية العملية التي تستكمل تفعيل نتائج عاصفة الحزم بـ“إعادة الأمل” عن بروز منطق غير مألوف، يجعل السياسة أملا، ويجعل الحرب التي فرضت عودتها عودةً للأمل، وليس بسطاً للنفوذ، وفرضاً مهينا لشروط الاستسلام.

يكمن هنا، تحديداً، الفرق بين العقل السعودي والعقل الإيراني. بدت السعودية وعلى الرغم من تعرضها لتهديد مباشر من قبل الحوثيين، وجماعة الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح المرتبطيْن بالمشروع الإيراني، دولة حريصة على الركون إلى السياسة بما تعنيه من ضرورة لجم الرغبة في الانتقام، والعودة إلى انضباطية التسويات، والشروع في إعادة تنظيم الأمور على أساسها.

من ناحية أخرى ظهرت إيران التي وافقت مكرهة على التسوية بوصفها دولة لازالت تؤمن بالمنطق الاستعماري الذي لم يعد له وجود فعلي في عالم اليوم، كونه يقوم على فكرة الاحتلال المباشر للأرض وبسط النفوذ بالقوة، في حين أن الاستعمار الفعلي بات اليوم يتعلق بالقدرة على احتلال المزاج، وخلق الرغبة في الاقتداء بمنظومة قيم وأفكار وسلوكات واستهلاك سلع معينة.

من هنا تبدو إيران وإسرائيل كدولتيْن وحيدتيْن في العالم المعاصر في ما يخص ممارسة النشاط الاستعماري. لعل هذا التنافس الشديد والعداوة الصارخة المعلنة التي تخفي تنسيقا وتهريبا للأسلحة من قبل إسرائيل إلى إيران، يدل على أن التقارب الأيديولوجي العميق يمكنه أن يخلق شبكة مصالح مشتركة تؤسس لعلاقة يمكنها التفوق على أي عداء مصطنع أو فعلي.

من هنا يمكننا أن نقول إن انتشار منتوجات “آبل” الأميركية في الأسواق الإيرانية حيث تباع غالبا في أماكن غير مرخصة، وبأسعار تفوق سعرها بأضعاف مضاعفة ولكنها تشهد مع ذلك إقبالا كثيفا من قبل ميسوري الحال من الإيرانيين، يدل على خضوع إيران لاستعمار أميركي من النوع الجديد.

قبول إيران بالتسوية في اليمن يعكس رغبة عربية ودولية في إجبارها على العودة إلى السياسة، ويرسل رسالة واضحة لها تقول إن أي اتفاق مستقبلي معها بشأن مشروعها النووي سوف لن يكون دعوة مفتوحة للاستثمار في الخراب، بل سيكون دعوة لها للركون إلى التعقل.

ما أرسته إيران من قيم، وما غرسته في نفوس كياناتها المزروعة في قلب الدول العربية لا يبشران بالخير في هذا الصدد. الحوثيون بادروا إلى الهجوم على مقرات للجيش الشرعي بعد الإعلان عن انتهاء عملية عاصفة الحزم، ما أجبر الطائرات على ضربهم من جديد.

أنصار إيران في لبنان اعتبروا الأمر انتصارا، وراحوا يتبادلون التهاني والتبريكات بمناسبة ما اعتبروه هزيمة السعودية في اليمن.

علامات النصر في نظر مخلّفات إيران في المنطقة هي أن الحوثيين لا يزالون على قيد الحياة، ولم تتم إبادتهم بالكامل، وأن زعيمهم عبدالملك الحوثي لم يقتل.

يؤمن هذا المنطق بأن هدف الحروب هو الإبـادة، ويستنسخ وعيا سحيقا لفكرة الحرب كانت تقوم على اجتياح الأمكنة وتدميرها بالكامل، وذبح كل من فيها، وإحراق الزرع والضرع. هكذا فإن قيم الانتصار تجد لنفسها حيزا تستطيع فيه الإعلان عن نفسها بمجرد عدم تحقيق هذه الأهداف.

ما يقوله ركون إيران إلى التسوية في اليمن، وما يتم تداوله حول أن هذه التسوية ستستتبع بتسويات أخرى في المنطقة تشمل سوريا، إضافة إلى تهافتها لعقد تسوية مع الغرب باتت الحل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد الإيراني، يقول إن إيران تبيع حلفاءها في المنطقة بضاعة باتت غير معدة للاستهلاك الداخلي.

مشهد الإيرانيين المهلّلين للتوصل إلى اتفاق – إطار مع الغرب لم يكن توقيعا بالدم والروح لصالح المرشد الأعلى وسياساته، ولا لأي طرف سياسي آخر في إيران. كان انحيازا للأمل الذي لا يمكن أن يصنع عبر توريد الميليشيات والمقاتلين للسلاح لضرب آمال شعوب المنطقة في الحرية والكرامة والسلام والخبز. هذا المعطى يضع الشعب الإيراني في وضع مماثل لوضع اليمنيين ووضع الشعوب العربية، ولكن هل ستسمح التغذية الأيديولوجية المتخمة بمنطق الانتصارات الإلهية بتركيب مسار عام في المنطقة يستجيب لمصالح الشعوب؟

ربما يجدر في هذا السياق استعادة كلمات أغنية الأمل لأم كلثوم التي تقول: الأمل لولاه عليا، كنت في حبك ضحية. هل سيستجيب عشاق إيران في المنطقة للأمل، أم سيبقون ضحايا لذلك العشق المستحيل؟

كاتب لبناني

8