عقل المعتزلة وتزييف النصوصيين

الأربعاء 2015/01/21

الدين والسياسة يفسران بعضهما، ولا يوجد في الحقيقة ما يمكن أن يوجد جفوة بينهما إلا حين يتم توظيفهما بصورة متداخلة متعمّدة لابد وأن تنتهي بالتضحية بأحدهما في مرحلة ما أو موقف ما، وهنا نتطرق إلى عامل عقلي يخطئ ويصيب، ولكن غالبا ما يكون الخطأ مكلفا وله ثمن باهظ، وذلك يمكن أن نعززه باستعادة تاريخية عجلى في كثير من العصور بدءا من الدولة الأموية وما تلاها من دول ودويلات إسلامية، مرورا بالفوضى التي ضربت أوروبا في عصورها الوسطى ومداخلات رجال الكهنوت والشغل الإكليروسي الذي قضى على الدين والسياسة معا.

في فضائنا الإسلامي نجد أن الفكرة العقلية غير قابلة على مزاحمة الدين، لماذا؟ لأن النص يمنع التدبّر العقلي، حتى أن بعضهم وضع قاعدة فقهية مفادها “لا اجتهاد مع النص” وذلك يعني تعطيل العقل بصورة قطعية، غير أننا نلتمس جهدا عقليا في أداء المعتزلة الذين أرسوا فكرة الإقناع بالنظر العقلي، لم يكونوا يرغبون في سيطرة النص الديني على مجريات الدنيا، ولذلك وجدوا أنفسهم في تصادم مع النصوصيين الحنابلة.

الصدام بين العقل والنص لم يكن ليكون مهمّا لو أن ذلك لم يتحول إلى صراع وتكفير وإقصاء ظل أحد أبرز موروثاتنا، لأن النصوصية لا تزال منذ القرن الثالث عشر وحتى يومنا هذا، تسعى جاهدة لإقصاء العقل والإبقاء على النقل، لذلك أجد أهمية استثنائية للمعتزلة في تطويرهم للأفكار الداعمة للعقل باعتباره مناط التكليف والخيارات والقناعات، ولا يمكن لتأويلات ثابتة ولا تتحرك مع الزمن أن تظل مسيطرة على حياة الناس دون تجديد أو تجويد فقهي يضعها ويكيّفها على مسار الواقع.

صحيح أن هناك فرصة نموذجية لتكامل العقل والنقل والاحتفاظ بقدسية النص دون إضرار بالتعطيل، ولكن دخولنا في صراعات بقاء يجعل عالمنا غائبا ومغيّبا عن التفكير السليم ومسايرة حركة الحياة والدنيا التي تتطور، فالنصوصيون حينما لم يقدروا على الشغل العقلي اتجهوا إلى تزييف الواقع، بوضع الأحاديث حتى من أكثرهم صلاحا وسلامة لدى العامة، وهاهو أحدهم وهو أبو عصمة حينما سئل: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس؟ أجاب: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت الحديث حسبة، وكان سهلا ويسيرا عليهم أن يضعوا الحديث عن الرسول بحجة “إنما كذبت له لا عليه”، ولذلك كان من المهم أن يبرز المعتزلة لسد الفراغ النصّي الذي أحوج البعض للكذب وملئه بنظر عقلي نظل نحتاجه حتى لا نقع في فخ النص والتزييف والجمود.

والشاهد أن أتباع النص الجاهز يمكنهم أن يجدوا مساحات واسعة لتأويله وتفسيره بحسب السياقات الفقهية والمجتمعية والذاتية والفردية التي تجعلهم يوظفونه بصورة غير منطقية تتنافى مع شروط العقل في معقولية المعنى، لأن معقولية المعنى أحد أهم الأركان التي تجعل الدين فكرة تعبّدية وعقدية منطقية، وذلك لا يمكن أن يتم دون مسوغات عقلية، وبالتالي ظهرت أدبيات متساهلة على شاكلة “من يجتهد ويخطئ له أجر” ولا يمكن حسابه مع تقادم الأزمان. فنحن لا نزال على منهج فقهي، كما ذكرت سابقا منذ القرن الثالث عشر، هو المسيطر على غالب طرائق المجتمعات في تصرفاتها وسلوكياتها الدينية، والنتيجة أن حصلنا على تلقين وحشو ديني لا يسمح للعقل بالتفكر والتدبّر، أي مسلم أو مؤمن سلبي. وهنا لا أقف على مذهب بعينه من مذاهب الإسلام، وإنما جميعها ألغت الوظيفة العقلية بصورة متعمّدة يخترقها طوفان من الفتاوى والرؤى الاجتهادية التي تقيس على نص سواء كان صحيحا أو ضعيفا.

في الواقع نحتاج لحضور عقلي في جميع التفاصيل الدينية التي اعتمدت طويلا على اتجاهات نصية وحرفية، بعضها لم يخلُ من التدليس حتى على الرسول الكريم لتبدو معقولة ويسلم بها، وذلك يعني مجتمعات عمياء وغير قادرة على استنهاض نفسها. وبناء على ذلك نحتاج لفكر عقلي بذات المنهج الذي انطلق به المعتزلة بغض النظر عن أي ملاحظات على منهجهم الفكري، لأنهم كانوا الأكثر جرأة في توظيف العقل الديني بصورة منطقية تغوص في أعماق النص وتستجلي خباياه بعيدا عن الهرطقات، أو الثبات على أقوال سلف لم يعودوا يعيشون في عصر سريع ومعقد لا يمكن لغير العقل أن يفك تعقيداته وتشابكه، فنحن بالفعل بلا عقل حقيقي يستقرأ الوقائع الدينية ويعيد اكتشاف النصوص وليس مجرد حفظها.


كاتبة سعودية

8