عقل.. جسد.. مشاعر

الأربعاء 2017/02/15

كلنا يعلم أن ما نفكر به وما نفعله وما نحس به.. إنما يصب في مجرى واحد ليكوّن في النهاية شخصياتنا وما نحن عليه.. فهو ثالوث العافية الذي لا غنى لمفردة منه عن الأخرى.. وهو أشبه بدائرة موْثقة الأواصر تصب بعضها في بعض.. وعلى الرغم من تباينها واختلافاتها العجيبة الشاسعة البون من شخص لآخر وكأنها بصمات أصابع لا يمكنها إلا أن تختلف.. بيد أن عامل التشابه الذي يشترك به الجميع إزاءها هو تلك العلاقة المتبادلة التي تجمع عناصر الدائرة في ما بينها..

فبلا عقل يفكر ويقرر لا وجود لبدن يستجيب.. وبلا بدن صحي معافى بكل تفاصيله وأعضائه وغرائزه وحواسه لا يمكن للعقل أن يستقيم أو أن تتزن أفكاره.. أما المشاعر فهي انعكاس لما يفرزه العقل والبدن.. اللذان بدورهما، معا أو كل على حدة، لا يمكنهما أن يستقيما إلا باستقرار المشاعر واتزانها..

فالجسم المريض على سبيل المثال.. يولّد حالة نفسية سلبية قد تؤدي إلى الكآبة المرضية بالتدريج إذا ما طال أمد المرض العضوي.. والكآبة إذا ما استوطنت بدورها في النفس ستزيد من أمراض الجسد.. وستعتـّم الرؤيا بالضرورة وتشتت الأفكار.. لتؤثر على أداء الإنسان لكل فعالياته اليومية وتركيزه في عمله وإبداعه.. وستكون بلا شك سببا في إرباك علاقته بكل ما يحيط به وبكل من يتواصل معه..

وقد علمونا في المدارس “إن العقل السليم في الجسم السليم”.. أما جورج برناردشو فيقول “لا أؤمن بمقولة إن العقل السليم في الجسم السليم بل إن الجسم السليم هو نتاج العقل الواعي السليم”.. ويخبرنا علم الطاقة “أن مشاعرنا الإيجابية هي الحجر الأساس لصحة أجسامنا وعقولنا ودونها لا يستقيم الإنسان”.. بينما يؤكد الأطباء وعلماء النفس أن كل تلك المقولات صحيحة وحقيقية ولا تدحض بعضها بعضا كما يبدو لأول وهلة.. فالعقل والجسد والمشاعر ثلاثة توائم لأم واحدة هي العافية ولا يمكن أن نغفل العناية بأحدها دون الآخر.. وهي عوامل تغذي بعضها بعضا.. وتؤثر في ما بينها سلبا وإيجابا.. لأن الإنسان هو في الحقيقة وجود فيزيائي وذهني تعكس حالته المشاعر.. أو أن ذلك الوجود ذاته يتكوّن بسبب طبيعة المشاعر التي تغذيه.. أي أن العكس هو الصحيح..

وإذا اتفقنا على أن كل ما نفكر به وما نشعر به إنما يؤثر على صحتنا البدنية.. فعلينا في الوقت نفسه أن ندرك أن كل ما نأكله ونشربه وكل ما يدخل جوفنا من هواء وماء إنما يؤثر على أفكارنا ومشاعرنا.. وهو بحث يبدأ ولا ينتهي عند كل تفصيلة غذائية وما قد تؤول إليه من مشاعر وأفكار.. بالإضافة إلى أن أسلوب الحياة الصحي والتنفس الصحيح وطبيعة الحركة اليومية كلها عوامل تساعد على صقل أفكارنا ومشاعرنا.. وهي حقيقة علمية مثبتة ولم تعد محض أفكار ومفاهيم قابلة للنقاش والدحض..

وعلى الرغم من أنها حقائق توصل إليها العلماء حديثا.. إلا أنني لا بد أن أشير هنا إلى أبيات قالها الشاعر العراقي معروف الرصافي قبل ما يقارب قرنا من الزمان وكأنها نبوءة علمية شعرية:

“لا بدّ من هَزَلِ النفوس فجِدُّها.. تعبٌ وبعضُ مُزاحِها استجمامُ

إن الجسومَ إذا تكونُ نشيطة.. تقوى بفعلِ نشـاطها الأحـلامُ”.

صباحكم عافية..

21