عقم السلطة وخصوبة المعرفة

الأحد 2015/03/15

يبدو أنَّ للتمييز المفهومي الدَّقيق بين “المعرفة” و”الجهل” أنْ يؤسِّسَ لإعمال القواعد المنهجية العلمية اللازمة لتحليل ظواهر مجتمعية كالأصولية والتَّطرُّف والعنصرية والإرهاب القائمة، كما بات معلوماً ومؤكَّداً من الوجهة المعرفية الخالصة، على الأسطورة والخرافة وتقديس الوهم وإلغاء العقل، وذلك على نحوٍّ يُفضي إلى فهم هذه الظواهر وأمثالها، عمُقاً وامتداداً، عبر إدراك مسبباتها الفعلية المُتجذِّرة في الواقع المجتمعي، أو تلك التي تُحَفِّزُ على إعادة إنتاجها وتوسيع حضورها وفاعليتها في هذا الواقع من خلال التَّوغل في نسيجه، وملء هياكله الثقافية بمعتقدات وآراء وتصوُّرات ومنظوماتِ قِيَمٍ تتأسَّس على الوهم والجهل وافتعال القداسة وتغيِّيب العقل، بغية التَّمكنُّ من تسييد أصحاب الجهل، صُنَّاعاً ومُروِّجينَ وأشياعاً، سلطةً مُطلقةً تُهيمن على النَّاس، وعلى حياة النَّاس، إيديولوجياتٍ زائفةً وواقعاً قائماً ومصائر ممكنة.

ولئن كانت العلاقة الحيوية بين الإنسان والكون؛ أي علاقته بكلِّ ما هو خارج عنه من كائنات وظواهر وقوىً بمن فيها الإنسان الآخر، وهي العلاقة المحكومة بالاتصال التَّفاعلي المباشر، وبالتَّجارب العلمية القائمة أساساً على الاستقراء والاستنباط كمبدأين معتمدين في جميع مناهج العلوم الرَّاسخة والمتطوِّرة والمتعدِّدة الحقول والمجالات، هي، دائماً وأبداً، المصدر الموثوق فيه لأي معلوماتٍ أو معارف يُمكن الوثوق فيها والاستناد إليها في تحديد المواقف وانتهاج السُّبل واتخاذ ما يلزم من أفعال وتصرفاتٍ وأنماطَ سُلِوكٍ تستوجبها مقتضياتُ إحياء الحياةِ الحقَّةِ، فإنَّ نقيضَ ذلك كُلِّه إنما يتمثَّلُ في إقامة العلاقة التفاعلية، ليس بين الإنسان والكون والإنسان الآخر، وإنما بين الإنسان والوهم، وذلك على نحوٍّ لا يُمكِّنُ الإنسانَ من الوجود الفعلي في الوجود، بل في وهمٍ غير موجود إلا في مُخيلته الواهمة التي تُغلق أبوابَ الحياةِ الإنسانيةِ، وتكبح إمكانية تشكُّل الإنسانِ في صيرورة مساراتها التي تُكْسبهُ هُوِيَّةً مُتحوِّلةَ تتوخَّى الوصولَ، ذاتَ لحظةٍ أو زمنٍ أو عصرٍ قادمٍ، إلى ما هي جديرة به من كمالٍ أقصى!

هكذا تقترن المعرفة بالواقع الفعلي وتتأسَّس عليه متيحةً للإنسان فرصةَ أنْ يُحيل نفسه إحالةً موضوعيةً في الواقع الفعلي وفقَ ما يتوافر عليه من معارفَ وقدراتٍ ومهاراتٍ تُؤَهِّلُهُ لفعل ذلك، ولمواصلة السَّعي لتحقيق ما يتوق إليه من هُويَّةٍ للذَّات تبحثُ عن كمالها المحتمل، ومن دور في الحياة يتوخَّى إثراءَها وإغناءَ مباهجها للعيش فيها بما يليق بالإنسان الحقِّ المسكون بتطلُّع لاهبٍ إلى واقع آخر؛ إلى مستقبلٍ أفضلَ تتوسَّعُ فيه مدارات الحرية الإنسانية، وفي رحابه يعلو شأن كُلِّ حقوق النَّاس التي هي لكلِّ النَّاس، فَتَرْسَخُ القيم الإنسانية النبيلة العالية التي تستطيع وحدها أنْ تضفر البشرية بأسرها في إهابٍ واحدٍ من السُّموِّ الإنسانيِّ الذي يفتحُ أفقَ تشكُّل الإنسان الإنسان؛ هذا الذي ربما لم يُوجدْ منه في الوجود بَعْدُ إلا من نَدَرْ، وذلك لأنَّ المبادئ والقيم والحريات والحقوق الإنسانية لم تُحترم بما يكفي، فلم يُسمح للنَّاس بممارستها بُحرية، ولم يُلتزم بمراعاة تطبيقها والتَّمتع بها من قبل جميع النَّاس من غير تمييز أو إقصاء أو تهميش لأيِّ سبب كان، وذلك لأنَّ السُّلطات القابضة على مصائر المجتمعات والنَّاس في الأعم الأغلب من بقاع الأرض، والتي تعتبر نفسها، زوراً، المنتجَ الأوحد للمعرفةِ، لم ترَ مصلحةً لها في فعل ذلك، مثلما لم يرَ القابضون على حياة العالم ومصائره أيَّ ضرورة لفعله، أو هم تقاعسوا، لسببٍ أو لآخر، عن فعله!

تخطيط: ساي سرحان

بينما تقترن المعرفةُ الخالصةُ الحقَّةُ بالعقل فاتحةً أمام الإنسان والحياة، على المستوى التَّصوُّريِّ القابل للتحقيق، المزيد من الآفاق والفضاءات الرَّحبة ذات القباب المُنيرة، فإنَّ الجهل لا يقترنُ إلاَّ بالوهم فيُؤسِّس لانبثاق الظَّواهر التي لا تتأسَّس إلا عليه مُغلقةً كلَّ المنافذ المُفضية إلى آفاقٍ أو فضاءاتٍ أو قبابٍ مُنِيرَةٍ، ومُشْرِعةً فوَّهاتِ كلِّ الحُفَرِ والخنادقِ والأنفاق والأقبية المعتمة، ومؤسِّسة لشرائعَ الكهوفِ السَّوداءِ، المُستغنية عن الحياة الحُرَّة وعن وجود الإنسانِ في تجلٍّ يليق بما هو كامنٌ فيه من سموٍّ ونُبلٍ وجمال، والتي عَشَّشَ الوهمُ في مخيالِ معتنقيها النُّكوصيِّ الواهمِ عناكبَ من أصوليَّةٍ متحجَّرةٍ وتطرُّفٍ أهوجٍ وعنصريةٍ مقيتةٍ وإرهابٍ أعمى.

فهل للإنسان، إزاء ذلك كُلِّه، أنْ يكفَّ عن المراوحة ما بين معرفةٍ وجهل؟ وهل له أنْ يختار لنفسه هُويةَ إنسانيةً لائقةً به وهو بها جدير؟ وهل له أنْ يرفضَ الذَّهاب إلى هُويَّة تأخذه إلى نقيضه؟ وهل للناس جميعاً أنْ يُدركوا، مرَّة وإلى الأبد، أنْ ما يأتي من سلطات التَّمثُّلات الرَّمزية وقوى الغيب الزَّائفة والاستبداد والعماء، أياً كانت توجهاتها وإيدلوجياتها وأنماط استبدادها وعمَاها، من معتقداتٍ وعقائدَ ومعارفَ ومعلوماتٍ وشرائعَ إنما هو زائفٌ ومُضلَّلٌ لأنهُ مؤسَّس، أصلاً وأبداً، على وهم وجهلٍ وزيفٍ وتزييفٍ وعُقمٍ وتغيِّيب عقل!

لا تأتي المعرفة الحقيقية الخالصة الخصبةُ؛ المعرفةُ الموثوق فيها والجديرة باسمها، من السلطة، ولا ينبغي للمعرفة أن تتأسَّس على السُّلطة أو تنبعَ منها أو تؤخذ عنها، أياً كانت هذه السُّلطة ومهما كانت هيمنتها ومجالات سطوتها، وإنما ينبغي لأيِّ سلطةٍ تنتمي إلى الحياة وتودُّ أن تكون لائقةً بالإنسان، أنْ تتأسَّس على المعرفة الخالصة الحقَّة، وأنْ تفتح جميع الأبواب والنَّوافذ المفضية إلى إثرائها كي تتمكَّن من متابعة تحقيق غايتها الأسمى التي هي، دائماً وأبداً، إثراء الحياة وإسعاد النَّاس.


كاتب ودبلوماسي من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

11