عقوبة الإعدام هل تردع خاطفي الأطفال في مصر

أجبرت المستجدات التي طرأت على جرائم خطف الأطفال مجلس النواب المصري على إجراء تعديل تشريعي لتغليظ العقوبة لتصل إلى الإعدام شنقا أو السجن 25 عاما أملا في القضاء على الجرائم التي انتشرت في الآونة الأخيرة، ويأتي هذا التوجه بعد مرور نحو ثمانية عقود على قانون العقوبات الذي حدد السجن من ثلاث إلى سبع سنوات لمن يخطف طفلا.
الاثنين 2018/02/05
أطفال يتعرضون إلى الأذى بشتى الطرق

القاهرة - عادت ظاهرة اختطاف الأطفال إلى الواجهة في مصر لتأخذ منحنى أوسع، بعد أن ازداد تفاقم الحديث حول ارتفاع نسب الضحايا والنهايات المأساوية التي يصير إليها مسلسل الاختطاف، وهو ما اصطحب نقاشا ساخنا وطرح مبادرات كثيرة على مستويات سياسية واجتماعية وأمنية وتشريعية، وصولا إلى ضرورة صدور قانون رادع تمت الموافقة عليه منذ أيام في البرلمان أملا في القضاء على الجريمة.

نص القانون الجديد على تعديل المادة الـ290 من قانون العقوبات، والتي تقضي بتغليظ عقوبة من يخطف أي شخص بالتحايل أو الإكراه بالسجن المشدد مدة لا تقل عن 10 سنوات، وإن كان الخطف مصحوبا بطلب فدية تصل العقوبة إلى السجن المشدد لمدة لا تقل عن 15 سنة ولا تزيد على 20 سنة، أما إذا كان المخطوف طفلا أو أنثى فالعقوبة هي السجن المؤبد، ويحكم على فاعل جناية الخطف بالإعدام، إذا اقترنت بها جناية مواقعة المخطوف أو هتك عرضه.

في الوقت الذي رحب عدد كبير من خبراء القانون الجنائي بتغليظ العقوبة كون القضية خطيرة وتمس الأمن المجتمعي، رأى آخرون أن العقوبة القديمة ليست بحاجة إلى التشديد لافتين إلى أنها كافية لردع الجناة إذا تم تفعيلها وتطبيقها، والبعض أصابه القلق لما يعنيه تغليظ العقوبة بأن الأحاديث المتداولة عن تفاقم الظاهرة حقيقية وليست شائعات.

لم يشغل مي محمد، طبيبة أطفال، الجدل الدائر حول تفعيل العقوبة، وقالت لـ“العرب” إنها كانت تشك في الكلام المنتشر عن خطف الأطفال، وكذبت العديد من المقاطع الصوتية المرسلة إليها من المجموعات المختلفة على الواتس آب وبها قصص مختلفة عن خطف الأطفال واعتبرتها سخافات لإثارة الرعب.

وعندما ظهرت بعض القضايا من خلال وسائل الإعلام وجدت أنها حالات فردية لها مبررات نفسية، لكن الآن انتابها خوف وهلع شديدان على ابنها الوحيد وجعلته حبيسا لديها عن طريق “سلسلة وجهاز تتبع” موضحة أن تشديد العقوبة أقلقها لأنه من المؤكد جاء نتيجة لرصد حالات لم يتم الإعلان عنها “فليس هناك دخان دون نار”.

وأشار علاء أبوالعينين، محام وعضو بشبكة الدفاع عن حقوق الطفل، إلى أن تعديل القانون ليس بسبب انتشار الجريمة بل لمحاصرتها لعدم تفاقمها، فالخطف ما زال مجرد حالات فردية ولم يتحول إلى ظاهرة مجتمعية.

عقوبة خطف طفل هي السجن المؤبد، ويحكم على الفاعل بالإعدام، إذا اقترنت بها مواقعة المخطوف أو هتك عرضه

وأوضح لـ“العرب” أن المجتمع المصري طرأت عليه مستجدات في العقود الأخيرة ومن الضروري التعامل معها بما يناسبها من قوانين للقضاء على جرائم أصبحت تشكل عبئا نفسيا وآثارها تستمر لوقت طويل على الأسر المصرية.

وأشار إلى ضعف العقوبات التي كانت تصدر في هذا الملف، فضلا عن استغلال الثغرات في القانون لتصل مدة حبس خاطف الطفل الرضيع إلى ثلاث سنوات وبالتالي تصبح جنحة، أما القانون الحالي فحول العقوبة إلى جناية والجاني سيكون معرضا للإعدام أو السجن المشدد.

وشرح لـ“العرب” أن خطف الأطفال في الماضي اقتصر على طلب الفدية من الأسر الثرية، ونادرا ما كان الخطف للانتقام، لكن السنوات الأخيرة شهدت تنوعا في أسباب الجريمة، وتم الكشف عن عصابات تعمل لجهات داخلية وخارجية من أجل الاتجار في الأعضاء البشرية للأطفال، وفي جرائم أخرى تم اختطاف الطفل وذبحه في مقبرة من أجل أعمال السحر، اعتقادا من البعض أن دمه الطاهر يفتح مناجم الذهب ويساعد على اكتشاف الآثار.

هناك عدد كبير من الأطفال المخطوفين تم الكشف عن إلحاقهم بشبكات التسول وتأجيرهم نظير مبلغ مالي يصل إلى 200 دولار في الشهر لأنه يدر دخلا يتعدى الـ400 جنيه يوميا (ما يعادل 22 دولارا) للمستأجر. وآخرون في عمر الزهور دفعوا ثمن تصفية حسابات عائلية أو الابتزاز أو مجرد إشباع شهوات جنسية مريضة تسببت في وفاة بعضهم، كما حدث مع طفلة تدعى زينة لم تتجاوز السنوات الخمس في محافظة بور سعيد (شمال شرق القاهرة)، وهناك الطفلة جنا (20 شهرا) والمعروفة إعلاميا بـ”طفلة البامبرز” التي جرى اغتصابها.

وعاشت بعض الأسر المصرية حالة من القلق مؤخرا، بعد اختفاء طفلين عمرهما لم يتعد الست سنوات، بينما كانا يلعبان أمام مسكنهما وعقب ضبط جهاز الشرطة للخاطفين تبين أن عملية الخطف تمت لصالح أسرة عربية محرومة من الإنجاب مقابل مبلغ مالي قدره 150 ألف جنيه للطفل الواحد (ما يعادل 8300 دولار تقريبا). تلك الوقائع أربكت الأهالي وأحالت حياة بعضهم إلى أفلام رعب، وقابل الخطاب التوعوي والحلول المرتكزة على ضبط المجرمين واتخاذ الاحتياطات لتجنب وقوع حوادث مشابهة، خطاب آخر في المجتمع المصري بمحاربة الظاهرة عبر تسليط أقصى العقوبات على المجرمين ألا وهي الإعدام.

ودشن رواد مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغا تحت مسمى “الإعدام لخاطفي الأطفال”، للمطالبة بتغليظ العقوبة على تلك العصابات التي تحارب أمن المجتمع، وأنشأ نشطاء صفحات أبرزها “أطفال مفقودة” و”أكبر تجمع للبحث عن المفقودين” و”الصفحة الرسمية للإبلاغ عن متغيبين ومخطوفين” نشروا من خلالها صور أطفال بصحبة متسولين اشتبهوا في تعرضهم للخطف.

وأوضح محمد السيد (عقيد شرطة) لـ”العرب” أن تشديد العقوبة جاء أيضا نتيجة لما كشفت عنه ملابسات عمليات الخطف التي تمت مؤخرا من أساليب متنوعة للمجرمين بما ينبئ بزيادتها، حيث لجأ خاطفو الأطفال إلى حيل جديدة كالتغيير من شكلهم ليصعب الوصول إليهم من خلال كاميرات المراقبة المثبتة في المحال والمراكز التجارية والشوارع الرئيسية، واستخدام أقلام تخدير سريعة المفعول ومناديل مخدرة دخلت البلاد بطرق غير شرعية. ولفت إلى أن الحالة الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد تزيد من معدل هذه النوعية من الجرائم، لأنها وسيلة للثراء السريع ولا تحتاج إلى احتراف عكس جرائم السرقة أو القتل، لكنها تعتمد على تنوع الأساليب لاستدراج الطفل ثم خطفه.

21