عقيدة أردوغان: يجب أن تتوقف المرأة عن التفكير حتى تستطيع تركيا أن تفكر

الأربعاء 2016/08/10
لا للعودة إلى الحرملك

أنقرة - لا تزال إليف تتذكّر بمرارة تلك اللحظة التي وجدت فيها نفسها مجبرة على “الزواج” بذلك الشخص الذي اغتصبها، وحوّلها من ضحية إلى متهمة في نظر المجتمع؛ اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الحادثة، لا تدري أيهما أكثر إيلاما، لحظة الاغتصاب، غير القانوني، الذي حدث في الظلام وبعيدا عن الأعين، أم لحظة الاغتصاب الشرعي، الذي أقيم له حفل زفاف وتمّ إشهاره.

قصة إليف هي قصة الآلاف من صبايا تركيا ونسائها اللاتي فرض عليهن قانون الزواج من مغتصبيهن، حيث يسمح المشرع للمغتصب بالإفلات من العقاب بمجرد الزواج من ضحيته؛ وحتى لو كانت مجموعة فمجرد الزواج بواحد من المتهمين يسقط التهمة عن البقية. وكشفت مؤخرا دائرة بمحكمة الاستئناف العليا التركية أن ما يقرب من 3000 حالة زواج مسجلة كانت بين ضحايا الاعتداءات الجنسية من النساء، بما في ذلك ضحايا الاغتصاب، وبين من قاموا بالاعتداء عليهن؛ هذا مع العلم أن هناك حالات كثيرة أخرى لزيجات غير مسجلة رسميا لفتيات قاصرات تعرضن للاغتصاب.

ولا يزال الأتراك يتذكرون حادثة مقتل الطالبة التركية الكردية أوزجيكان أصلان بوحشية خلال اغتصابها من قبل سائق الحافلة التي كانت تقلها على طريق العودة من الجامعة إلى منزلها. وقد أثارت تلك الحادثة، التي وقعت نهاية 2015، غضبا كبيرا في الأوساط النسائية والحقوقية في تركيا، والتي تؤكد أن هناك ارتفاعا ملحوظا في أعداد جرائم العنف ضد المرأة منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، إذ سجلت السلطات التركية عام 2002 أقل من 100 حالة عنف ضد المرأة، ليرتفع العدد إلى أكثر من 300 حالة عام 2015.

فجّرت قضية أوزجيه جان المظاهرات في أنحاء تركيا، اعتراضا على التساهل القانوني تجاه جرائم الاغتصاب والذي يُسهّل الأمر على كل من أراد القيام بتلك الجريمة، حيث يمكن بسهولة الخروج من القضية بأقل خسائر، خاصة إذا ما تم تدمير الأدلة، كما أن القانون يقضي بتخفيف العقوبات على المتهمين في جرائم الاغتصاب إن كانوا ارتكبوا الجريمة تحت تأثير الكحوليات، وتخفيف العقوبة إن التزم المتهم بالأدب والنظافة داخل المحكمة.

براق بيكديل: كانت لعملية الأسلمة التي تسللت إلى تركيا وتغلغلت فيها، العديد من التطورات المفاجئة والمقلقة، من ذلك تآكل الحياة الاجتماعية العلمانية

وحتى عندما، تمت مراجعة قانون العقوبات في ما يتعلق بجرائم الاغتصاب، جاءت النتيجة أكثر سوءا، وفق الحقوقيين، حيث أقر البرلمان التركي قانونا جديدا يؤيد تطبيق عقوبة الإخصاء الكيميائي للمتورطين في جرائم الاغتصاب.

وبموجب هذا القانون يتم اتخاذ إجراءات طبية لإنهاء الدافع الجنسي للمدانين بالتورط في جرائم الاغتصاب، باستخدام طرق كيميائية. ويقول المنتقدون إن هذا القانون لا يُشكّل عقوبة رادعة لمن يُقدم على جريمة الاغتصاب وهو أقرب إلى تغذية روح الانتقام في المجتمع بدلا من التشجيع على تحقيق العدالة القانونية.

واحتلت تركيا المرتبة الـ130 في التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين سنة 2015، في حين أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن معدل العنف المنزلي في تركيا هو ضعف ذلك الموجود في الولايات المتحدة، وأعلى عشر مرات مما كان عليه في البعض من البلدان الأوروبية.

ويعتبر هذا أمرا طبيعيا في بلد يعترف رئيسه بأنه لا يؤمن بالمساواة بين الجنسين ويقول صراحة إن “مهمة المرأة في البقاء بالمنزل والاهتمام بتربية الأطفال”، فيما تذهب سيدته الأولى إلى الإشادة بعصر الحرملك وحريم السلطان.

قالت، أمينة أردوغان، التي تشرف على رعاية جمعيات نسائية وخيرية، في تصريحات مثيرة للجدل إن “الحرملك في العصر العثماني كان مركزا تربويا وتعليميا قام بإعداد النساء للحياة”؛ بل ودعت إلى الاستفادة من تلك التجربة التي تمثل “مصدرا للإلهام”، على حد تعبيرها. وعلى نفس النسق، زاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من حالة الجدل حول حقوق الأسرة والمرأة في بلاده حين هاجم برامج تنظيم النسل. وحثّ خلال خطاب ألقاه في شهر يونيو الماضي، “الأسر المسلمة على عدم الانخراط في برامج تحديد النسل أو تنظيم الأسرة”، بل يجب عليها “إنجاب المزيد من الأطفال”.

ووشح أردوغان دعوته بمظهر ديني، حيث قال “لا أحد يمكنه التدخل في عمل الله. ونحن نسير على سنة الله ورسوله. الواجب الأول هنا يقع على كاهل الأمهات”. ويبدو أن أنصار حزب العدالة والتنمية يتبعون هذه السياسة منذ سنوات حيث ارتفع عدد سكان تركيا من 67,8 إلى 78,7 مليون نسمة، منذ وصول الحزب إلى السلطة عام 2003.

قال الصحافي التركي بوراق بيكديل إنه على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، كانت لعملية الأسلمة التي تسللت إلى تركيا وتغلغلت فيها، وكأنها مخدرة ومنومة، العديد من التطورات المفاجئة والمقلقة من ذلك تآكل الحياة الاجتماعية العلمانية وهيمنة الأغلبية (الادّعاء بأن من حق الأغلبية التمتع بالهيمنة والسيادة والأولوية)، إلا أن الأمر لم يقتصر على كل ذلك فقط، حيث أن أسلمة المجتمع التركي قد جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة إلى النساء.

واعتبر بيكديل، زميل منتدى الشرق الأوسط في معهد غاتستون، أن ذلك يتناقض ويتعارض مع مبادئ العلمانية التي يقاتل أردوغان ومنذ زمن من أجل الردّة عنها ومحوها. وأضاف منتقدا “لقد نالت المرأة التركية حق الاقتراع والتصويت في الانتخابات في تاريخ مبكر هو عام 1934، أي قبل 25 عاما من حصول النساء السويسريات على نفس الحق. الآن، وبعد 82 عاما من فوز النساء التركيات بالحق في التصويت، ينبغي عليهن أن يستمعن إلى رئيسهن، أردوغان، وهو يُنعـم عليهن بحقوق المرأة على طريقته”.

12