عقيدة الجيش المصري الدفاعية تجعله رقما مهما في الأزمات

خطوط السيسي الحمر توقف تمدد مرتزقة وميليشيات أردوغان في شرق ليبيا، فيما تسعى القاهرة لمنح فرصة للأطراف الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب أوراقها.
الأحد 2020/06/28
خطوات واثقة

استراتيجية الانكماش على الداخل والاكتفاء بالحرب على الإرهاب، التي يعتمدها الجيش المصري، تأتي متغيرات المشهد الليبي لتضعها أمام اختبار جدي: هل تكتفي مصر بالانتظار حتى يتجمع قرب حدودها عشرات الآلاف من الميليشيات والمرتزقة ليضاعفوا أزمتها في الداخل من خلال تهريب الإرهابيين والأسلحة، أم تبادر إلى كسر القاعدة التي وضعتها لنفسها وتتدخل في ليبيا لحماية مصالحها؟

القاهرة - طرح جرس الإنذار الليبي وتقدم تركيا نحو الحدود الغربية لمصر والتلويح الخطير بأفواج المرتزقة الإسلاميين المتخرجين لتوهم من فصائل النصرة والقاعدة وداعش في سوريا أسئلة قاسية على المخطط الاستراتيجي المصري وعلى العقيدة القتالية للجيش المصري.

وفي الوقت الذي تبدو فيه مصر وهي تسأل نفسها ماذا ستفعل في إشكالية سد النهضة الإثيوبي، وهل تستطيع تغيير معادلة تحد مصيرية على الأرض، وإن كان التلويح بالقوة واردا؟ برز الامتحان التركي ليعيد ترتيب أولويات مصرية حاول زعماء مصر المتعاقبون تجاوزها منذ أن أجابت القاهرة بنعم على سؤال: هل قاد التدخل في اليمن مطلع الستينات إلى هزيمة 1967 في الحرب مع إسرائيل؟

وشكلت عقيدة الجيش المصري الدفاعية أحد محددات التعامل الدبلوماسي مع الأزمات الإقليمية، ففي الوقت الذي اندلعت فيه حروب في دول مجاورة تحولت إلى معارك بالوكالة في عدد من الدول العربية، سارت القاهرة بالاتجاه المعاكس وبادرت إلى رفع كفاءة الجيش وزيادة تسليحه، وقررت عدم الانجرار وراء صراعات لم يتم حسمها بالطرق القتالية التقليدية النظامية، وتمسكت بهذه العقيدة لتحصين الدولة داخليا في ظل تنامي أخطار الإرهاب.

نبيل أبوالنجا: عقيدة الجيش الدفاعية تتحول إلى هجومية حينما يكون التهديد مباشرا
نبيل أبوالنجا: عقيدة الجيش الدفاعية تتحول إلى هجومية حينما يكون التهديد مباشرا

وبدت الرؤية المصرية صائبة، وإن كان ذلك على حساب خسارة الدور الإقليمي في بعض الملفات، إلى جانب نظر البعض إلى هذا التريث على أنه تردد.

ورفضت مصر توجيه بوصلة القوات المسلحة باتجاه مجابهة العناصر الإرهابية في الداخل والخارج فقط، وبالرغم من إطلاق العملية الشاملة “سيناء 2018”، حرصت على الاستمرار في إجراء مناورات كبيرة بصور متكررة على معارك تقليدية بين الجيوش تتضمن القيام بمهام عسكرية في مناطق صحراوية مفتوحة، وحصلت على أحدث الأسلحة، بينها أنظمة دفاع جوي متقدمة وطائرات مقاتلة وصواريخ لتعزيز قدراتها القتالية، وفرقاطات بحرية.

وقالت مصادر أمنية، لـ“العرب”، إن القيادة السياسية تدرك أنها تواجه تهديدات على جبهات متعددة، ومحاولات استنزاف الجيش في إحداها، قد يكون على حساب باقي الجبهات، لأن هناك تهديدا مباشرا في جبهة الشرق من قبل العناصر الإرهابية في سيناء وقطاع غزة، إلى جانب إسرائيل التي مهما بلغت العلاقات الدبلوماسية معها فإنها تظل مصدر تهديد للأمن القومي.

تواجه مصر في الجنوب تحديا مصيريا مع إثيوبيا بشأن المياه وسط توقعات باندلاع حروب مياه مستقبلية ربما تحسمها قوة الدولة العسكرية، إلى جانب وجود مهدد آخر في السودان في ظل حالة السيولة الأمنية هناك وإمكانية استغلالها من قبل التنظيمات الإرهابية لإشعال الحدود بين البلدين، ما يجعلها تبني حساباتها بدقة، ناهيك عما يجري في جنوب البحر الأحمر وباب المندب من معارك في اليمن، تؤثر حتما على حركة الملاحة في قناة السويس.

وفقا لهذه المعطيات تنتظر أطراف إقليمية عديدة الموقف المصري في الجبهة الغربية على خلفية التصعيد التركي في ليبيا، وتحديد الرئيس عبدالفتاح السيسي خط سرت الجفرة كحد فاصل غير مسموح بتجاوزه، باعتباره مهددا للأمن القومي المصري، ما أثار تساؤلات حول المحددات الرئيسية التي تحكم تحركات الجيش خارجيا، وسط مخاوف من أن تتحول الحدود البرية الشاسعة مع عدد من البلدان إلى حاضنة لتنظيمات إرهابية ومتطرفة ترعاها تركيا وقطر.

الانتظار والمبادرة

القاهرة تدرك أن أي خلل داخلي يؤدي إلى وصول خطر الأطماع الخارجية إليها مباشرة
القاهرة تدرك أن أي خلل داخلي يؤدي إلى وصول خطر الأطماع الخارجية إليها مباشرة

أكد مؤسس سلاح الصاعقة في الجيش المصري، اللواء نبيل أبوالنجا، أن القوات المسلحة لن تنتظر ليأتي المرتزقة والأتراك بالقرب من معبر السلوم الحدودي مع ليبيا، وأن عقيدة الجيش الدفاعية تتحول إلى هجومية حينما يكون التهديد مباشرا، وفي حال تجاوز الخط المرسوم (سرت – الجفرة) قد يذهب الجيش إلى ما هو أبعد منهما للتعامل مع هذا الخطر، لكن القاهرة تعطي فرصة للأطراف الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب أوراقها بما لا يهدد أمنها بشكل مباشر.

وأضاف أبوالنجا في تصريح لـ”العرب”، أن القيادة المصرية تتعامل مع الأوضاع الحالية في ليبيا من خلال ثلاث مناطق، الأولى: تبدأ من الحدود التونسية وطرابلس لما قبل الوصول إلى سرت بـ150 كيلومترا، والثانية في إقليم برقة وتبدأ من 150 كيلومترا غرب سرت وحتى منفذ السلوم، علاوة على منطقة العمق الليبي والتي تشمل واحة جغبوب ومنطقة العوينات، وهي مناطق صحراوية غير مأهولة بالسكان.

وأشار إلى أن الوجود التركي في المناطق الثلاث يهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر، لأن أنقرة تنوي إنشاء قواعد لها في المناطق التي تصل إليها، “ما يجعل التدخل المصري حتميا في أي لحظة، حتى وإن كان الأمر بعيدا عن خط سرت الجفرة، فالقاهرة لن تسمح بوجود قواعد عسكرية تركية تهدد الأمن القومي عبر البحر المتوسط”.

وأرجع أبوالنجا تحديد السيسي لخط سرت الجفرة إلى إدراك القاهرة أن سيطرة ميليشيات أردوغان على آبار النفط، في ما يعرف بمنطقة الهلال النفطي، يؤدي إلى نهبها وسرقتها لتمويل العناصر الإرهابية، بما يسمح بوجود قاعدة لإقامة هؤلاء على الأراضي الليبية، أسوة بما حدث في العراق حينما سيطر تنظيم داعش الإرهابي على آبار النفط هناك، ما يغري العديد من المواطنين بالانضمام إلى هذه التنظيمات التي سوف تصل إلى الحدود المصرية في تلك الحالة.

ويتفق العديد من الخبراء العسكريين على أن التواجد التركي في ليبيا يهدد مصر برا وبحرا، لأن وجود المرتزقة والميليشيات يغري العديد من التنظيمات الإرهابية بالاقتراب من الحدود مع ليبيا، وسط توقعات بوجود عناصر كثيفة من تنظيم بوكوحرام على الأراضي الليبية.

كما أن وجود قوات تركية متمركزة في طرابلس قد يهدد خطوط إمدادات الغاز المصري شرق المتوسط، ما يعني أن الجبهة الغربية المصرية توافرت فيها محددات حقيقية تؤثر سلبا على الأمن القومي بصورة واضحة، وتزداد الخطورة كلما اقتربت من الحدود المصرية، وهو ما جعل سرت الجفرة خطا فاصلا.

استنفار على جميع الجبهات

جمال مظلوم: أي تدخل خارجي مهما كانت خطورته سيكون بناء على استعداد الجيش
جمال مظلوم: أي تدخل خارجي مهما كانت خطورته سيكون بناء على استعداد الجيش

أضحت قيادة الجيش المصري على يقين أنه لا يمكن انتظار الأخطار حتى تصل إلى الداخل، وما جرى إنجازه محليا لن يتم السماح بهدمه عبر التهديدات الخارجية. وبالتالي فإن هناك إنصاتا للأصوات التي تنادي بضرورة التعامل مع مستنقع الإرهاب في الخارج وعدم الاكتفاء بما يمكن تسميته بقتل “ذئاب الداخل” في سيناء وبعض المحافظات التي تسللت إليها هذه العناصر، وغالبيتها جاء من ليبيا.

وأثبت الاستعراض الأخير قرب الحدود الليبية أن المنطقة العسكرية الغربية مستعدة لأي طارئ خارج الحدود، في الوقت الذي يتولى فيه الجيشان الثاني والثالث مهمة تأمين الجبهة الشرقية مع قطاع غزة وإسرائيل، كذلك المنطقة الشمالية العسكرية التي تتولى تأمين البحر المتوسط بمشاركة واسعة من القوات البحرية التي شهدت تحديثا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، فيما جرى تطوير المنطقة العسكرية الجنوبية التي تتولى تأمين الحدود المصرية مع السودان.

أكد المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية بالقاهرة، اللواء جمال مظلوم، أن هناك استنفارا لقوات الجيش على الحدود الأربعة بشكل غير مسبوق منذ سنوات طويلة من دون أن يكون هناك قرار نهائي بالتدخل الخارجي، وهذا يرجع إلى استفادة القيادة العسكرية من أخطاء الماضي، حينما تورط الجيش في حرب اليمن خلال ستينات القرن الماضي وتعرض للهزيمة في عام1967، قبل أن يختار وقت دخول حرب 1973 بعد سنوات من الاستعداد والتجهيز العسكري والسياسي.

وأوضح جمال مظلوم لـ”العرب” أن القاهرة لن تدخل حربا لم تخطط لها جيدا، وأن أي تدخل خارجي مهما كانت خطورته سيكون بالأساس بناء على استعداد قوات الجيش وقدرتها على تحقيق مكاسب على الأرض، وأنها لن تتدخل في ليبيا من دون أن تكون قد حصنت نفسها من أي محاولات لإضعاف الجيش وتهميشه، وبما يضمن الحفاظ على القوة القتالية، والروح المعنوية المرتفعة للأفراد.

وأوضح أن هناك شكوكا عديدة تحوم حول محاولة جر الجيش المصري إلى حروب لا طائل منها، بما يؤدي إلى إضعافه وتشويه صورته الراسخة في أذهان الجميع باعتباره ضمن أقوى عشرة جيوش على مستوى العالم.

ويتفق عسكريون على أنه لا توجد محددات رئيسية مكتوبة للأمن القومي المصري يمكن من خلالها معرفة توقيت تدخل الجيش في الحروب الخارجية، غير أن هذه المسألة تأتي على لسان قيادات القوات المسلحة ورئيس الدولة وتختلف بين الحين والآخر، وفي الأساس فإن دور الجيش تأمين الحدود والحفاظ على الأمن القومي ومساعدة أي من الدول العربية الصديقة التي تتعرض لاعتداء حال طلبت ذلك.

محمد رشاد: النظريات الحديثة للحفاظ على أمن الدول تقوم على استخدام أسلحة الردع بدلا من الحروب
محمد رشاد: النظريات الحديثة للحفاظ على أمن الدول تقوم على استخدام أسلحة الردع بدلا من الحروب

وكان السيسي أكد أن “الجيش المصري جيش رشيد يحمي ولا يهدد، وقادر على الدفاع عن أمن مصر القومي داخل وخارج حدود الوطن”، وأي تدخل مباشر في ليبيا يهدف إلى تأمين الحدود ووقف إطلاق النار، و”مصر لم تكن يوما من دعاة العدوان، وتعمل على تأمين حدودها ومجالها الحيوي”.

واعتبر وكيل جهاز المخابرات المصرية الأسبق، اللواء محمد رشاد، أن التحركات المصرية تنطلق من الداخل ونظرة القوات المسلحة إلى التأمين أضحت أكثر اهتماما بتوفير البيئة المواتية لاستقرار الدولة، بغض النظر على المخاطر الخارجية التي تواجهها، وأن القيادة السياسية تعتبر الخطر الأساسي داخلي في ظل محاولات تقسيم الدول من خلال شعوبها.

وذكر رشاد في تصريح لـ”العرب”، أن القاهرة تدرك أن أي خلل سوف يؤدي إلى وصول الأطماع الخارجية إليها بشكل سريع، ولذلك أولت اهتماما بمشروعات التنمية التي شاركت فيها القوات المسلحة كعنصر أساسي في تحقيق الأمن القومي، واقتنعت بأن تأمين الجبهة الداخلية يمكن أن يصبح من خلال التنمية وليس الحرب، إلى جانب انخراط قوات الجيش بشكل أكبر في العمليات الأمنية الداخلية، بما يخلق استقرارا يجعله قادرا على التفرغ لمجابهة الأخطار الخارجية.

وشدد الخبير المصري على أن النظريات الحديثة للحفاظ على أمن الدول ومنع تفككها تقوم على استخدام أسلحة الردع بدلا من التورط في حروب ربما تزيد من صعوبة الأوضاع الاقتصادية، وتؤدي إلى اضطرابات تشكل تهديدا مباشرا على استقرار الدولة، ومصر تحاول منع الضرر عبر الملاحقات الاستخباراتية على كافة الجبهات من دون أن تتورط في تحريك قوات الجيش إلى خارج الحدود.

غير أن متابعين يرون أن التطورات الحاصلة حاليا في ليبيا تدفع القاهرة إلى تغيير سياستها من أجل حماية الجبهة الداخلية، لأن الخطر لم يعد عسكريا فقط بل سياسيا أيضا، لأن وجود ميليشيات محسوبة على جماعات الإسلام السياسي قرب الحدود الغربية الشاسعة مع ليبيا، وهيمنة حركة حماس على قطاع غزة في الشمال الشرقي، من العوامل الرئيسية لتغذية عناصر الإخوان في الداخل، ومنحهم ثقة بأن يصبحوا قادرين على التحرك بمساعدة أتباعهم على الحدود.

تأمين من الداخل

القاهرة لن تسمح بوجود قواعد عسكرية تركية تهدد الأمن القومي عبر البحر المتوسط
القاهرة لن تسمح بوجود قواعد عسكرية تركية تهدد الأمن القومي عبر البحر المتوسط

أوضح الخبير في الشؤون الفلسطينية والنائب البرلماني، سمير غطاس، أن القاهرة لم تتورط في قطاع غزة، بالرغم من علمها بوجود عشرات الأسماء التي تورطت في أعمال عنف في الداخل المصري، واكتفت بتأمين جبهة سيناء بالفواصل والسياج.

ونجحت إلى حد كبير في تحجيم الإرهابيين في تلك المنطقة، وهو أمر قابل للتكرار في ليبيا، إذا لم يجر تجاوز الحد الفاصل الذي حدده الرئيس السيسي، وحتى الآن فإن تقديم الدعم الفني عبر تدريب القبائل الليبية فضلا عن دعم رئيس البرلمان عقيلة صالح سياسيا هو الحل الأقرب للتنفيذ على أرض الواقع.

سمير غطاس: من مصلحة القاهرة إبعاد المخاطر وليس الانخراط في حرب مكلفة
سمير غطاس: من مصلحة القاهرة إبعاد المخاطر وليس الانخراط في حرب مكلفة

ويأخذ البعض على هذه النظرة عدم الدقة الجغرافية في المقاربة الأمنية، فحدود غزة مع سيناء لا تتجاوز 14 كيلومترا، بينما الحدود مع ليبيا تصل إلى 1200 كيلومتر، وإذا كان من السهولة تأمين الأولى، فالثانية تمثل صعوبة بالغة، لا تصلح معها وسائل التأمين التقليدية، وربما تحتاج إلى ما هو أبعد من إشارات التحذير والإنذار، ولذلك كان تحديد خط سرت الجفرة، حتى لا تنتظر مصر دخول الإرهابيين.

وأشارغطاس، لـ”العرب”، إلى أن مصر من مصلحتها إبعاد المخاطر عنها وليس الانخراط في حرب مكلفة، غير أنها في لحظة من اللحظات ستكون مضطرة للتدخل لوقف المد السياسي المقدم لعناصر تنظيم الإخوان في الداخل، إلى جانب أن وصول المرتزقة إلى بنغازي يعني أن هناك معسكرات إرهابية ستكون بالقرب من الحدود المصرية الليبية التي سوف يصعب تأمينها في تلك الحالة.

وذكر أن قوة الردع المصرية متمثلة في إدراك العالم لحجم القوة العسكرية للجيش لجمت تركيا، وجعلت نبرة بعض الدول الأوروبية تضغط لوقف تقدم ميليشيات أردوغان وفايز السراج نحو سرت، من دون أن يكون هناك تدخل مباشر من جانب مصر، وهو ما يبرهن على أن تأمين الحدود يبدأ من رسم استراتيجية كاملة للتعامل مع الواقع، والتواصل مع جميع الأطراف، وليس طرفا واحدا.

6