عقيدة الحرب الهجينة تسيطر على صراعات العالم

الثلاثاء 2014/12/09
الدعاية الإعلامية تشكل أحد الأسلحة الرئيسية في الحرب الهجينة التي يخوضها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا

لندن – عندما تتعرض جهة ما لهجوم من قوات برية أو بحرية أو جوية تقليدية، فإن طريقة الرد عادة ما تكون واضحة. لكن ماذا يحدث عندما يكون الهجوم “هجينا” وهو عبارة عن خليط من القوات “الخاصة” المدعومة بالحملات الإعلامية والوكلاء المستترين، وتصل خطورتها حد الإرهاب؟ وكيف يمكن أن تتكيف قوات الخصم مع هذه الهجمات التي كشفت خطورتها في الأزمتين الاستراتيجيتين الأكثر إلحاحا لهذه السنة: داعش في سوريا والعراق والأزمة في أوكرانيا.

أعادت الصراعات في أوكرانيا والعراق وسوريا خلال سنة 2014 تسليط الأضواء على ما يسمى “بالحرب الهجينة” التي يستخدم فيها المقاتلون مزيجا من التكتيكات العسكرية وغير العسكرية لتحقيق أهدافهم. وبالرغم من أن هذا المفهوم ليس بالجديد، فإن ظهوره في الأزمتين الاستراتيجيتين الأكثر إلحاحا لهذه السنة استرعى اهتمام الحكومات الغربية. وهذا ما أكّده حلف الناتو في قمته المنعقدة في شهر سبتمبر الماضي، حيث التزم بضمان أن يكون الحلف “قادرا فعليا على معالجة التحديات المعينة التي تطرحها تهديدات الحرب الهجينة”.

وتشير دراسة، صدرت عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (لندن)، إلى أن المزيج من التكتيكات التي تستعملها روسيا في أوكرانيا من جهة، ويستعملها داعش في العراق وسوريا من جهة أخرى ترك الحكومات الغربية لا تعرف الطريقة المثلى للرد على هذه التهديدات المختلطة.

وفي حين أن الطريقتين المستخدمتين على الميدانين ليستا متشابهتين بأي حال من الأحوال، فإن كليهما يستعملان الأدوات العسكرية والمدنية والعمليات السرية وحرب المعلومات والإعلام العصري. ويمكن اعتبارهما نموذجين لنفس الظاهرة.

ونظرا لإحساس قادة الحلف الأطلسي بالحاجة إلى سرعة التحرّك والمرونة أمام هذه التهديدات، فقد اتخذوا خطوات في قمة “وايلز” لتحسين الجهوزية العسكرية. وقد طرحت هاتان الأزمتان أمامهم أسئلة مألوفة: هل يجب فرض عقوبات، وإن كان الجواب بنعم فعلى من؟ وهل يجب القيام بعمل عسكري، وإن تم ذلك فما هو نوعه؟ وكيف يمكن مساندة الأصدقاء والحلفاء؟

استخدام الخطط المزدوجة زاد من التحديات عبر الحاجة إلى سرعة وخفة أكبر في اتخاذ القرارات


ما المقصود بعبارة "هجين"؟


يعود استعمال عبارة “هجين”، في هذا السياق، إلى تحليل قامت به قوات سلاح البحرية الأميركية للتجارب العملياتية في العراق وأفغانستان.

وفي سنة 2005 كتب الجنرال جيمس ماتيس -الذي شغل لاحقا منصب قائد للقيادة المركزية الأميركية- في مجلة “الإجراءات” التابعة لمعهد البحرية الأميركية عن ظهور طرق “غير منتظمة” مثل الإرهاب وأعمال التمرد وتجارة المخدرات.

وجاء في هذا التحليل، أن “الخصوم غير النظاميين يسعون إلى استغلال الأفضلية التكتيكية في وقت ومكان يختارونهما بأنفسهم بدل الخضوع إلى قواعدنا، إذ يحاولون مراكمة سلسلة من الآثار التكتيكية الصغيرة ثم يضخّمونها عبر الإعلام وحرب المعلومات لإضعاف العزم الأميركي”. وهكذا تظهر عملية اندماج طرق ووسائل حربية مختلفة، وهو ما يسمى “الحرب الهجينة”.

تنقل دراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عن الحروب الهجينة، ما كتبه الضابط في مشاة البحرية الأميركية فرانك هوفمان، في مقال، صدر في سنة 2007، عن معهد بوتوماك للدراسات السياسات العامة، يقول فيه إن الحروب الهجينة “تمزج الصراع الفتّاك الذي تقوم به الدولة مع الحماسة المتعصبة والمطولة في الحرب غير النظامية”.

النموذج الروسي الهجين طوق أسلوب الرد لدى الناتو

ويعرف فرانك الحرب الهجينة، على أنها “تتضمن سلسلة من الطرق المختلفة للحرب بما في ذلك القدرات التقليدية والتكتيكات والمعلومات غير النظامية والأعمال الإرهابية بما فيها العنف والإكراه العشوائي والفوضى الإجرامية”. والمثال الذي أورده الكثير من الخبراء، لتوضيح معنى الحرب الهجينة، هو حرب سنة 2006 بين إسرائيل وحزب الله، حيث وجدت القوات العسكرية الإسرائيلية صعوبة في التعامل مع المزيج بين حرب عصابات مدن وخلايا مقاتلة يصعب تحديد موقعها واستخدام التكنولوجيا العسكرية بما في ذلك القذائف والصواريخ.

لكن لا يخلو تعريف التهديدات الهجينة هذا من الجدال، فكلمة “هجين” تعني ببساطة مزيجا من العناصر المختلفة. وهذه العناصر (المقاربات العسكرية التقليدية والحرب غير النظامية والتمرد والإرهاب والإجرام والعمليات المعلوماتية) ليست جديدة بالمرة. وفي هذا السياق، تظهر عبارة أخرى هي “لا متماثل” وتدلّ على محاولة كسب الأسبقية عبر البحث عن مواطن ضعف الخصم بدل مواجهته بشروطه الخاصة.

مع ذلك يمكّن الاندماج المرن للتكتيكات الذي لوحظ في عدة ميادين حربية من زعزعة الجيوش الغربية التي كانت تعتقد أن تكنولوجياتها المتفوقة وعقائدها الراسخة ستمنحها أفضلية كبيرة ضد أي عدو محتمل. وهكذا ما كان يعتقد سابقا جوانب منفصلة للصراع تم إدماجه في ما يمكن اعتباره طريقة جديدة للحرب.


ما هي مظاهر الحرب الهجينة؟


كان إدخال مفهوم “الحرب الهجينة”، بالرغم من ضبابيته، مفيدا في دفع المفكرين الاستراتيجيين العسكريين، إلى جانب المسؤولين والأكاديميين، إلى التفكير في ردود فعل أكثر مرونة ونجاعة. وقد وُجدت في سنة 2014 وضعيتان أدتا إلى تأكيد الحاجة إلى ذلك: الوضعية في أوكرانيا والوضعية في سوريا والعراق. وفي كلتا الحالتين زاد اندماج التكتيكات في حدة الصعوبات أمام من يواجهونها.


◄ أوكرانيا:

قال زعماء حلف الناتو في إعلان قمة ويلز: “نشهد حملة منسقة من العنف تقوم بها روسيا، والانفصاليون الذين تدعمهم، بهدف زعزعة استقرار أوكرانيا كدولة ذات سيادة”. كما ورد في مجلة “وول ستريت” عن أمين عام الناتو آنذاك أندرس فوغ رسموسن قوله: “تلجأ روسيا إلى حرب هجينة عبر تدريبات خاطفة والكومندوس السريين والصواريخ المهربة”.

مجابهة التهديدات الهجينة ستتطلب ردود فعل جديدة وقابلة للتعديل ومشتركة بين الحكومات وأعضاء التحالف


◄ داعش في العراق وسوريا:

تنظيم الدولة الإسلامية، داعش، هو الآخر يستعمل مزيجا ناجعا من التكتيكات في حملته في سوريا والعراق من أجل تحقيق غايات متعددة:

• يقوم بحملة عسكرية يجمع فيها القوات لاحتلال الأراضي والحفاظ عليها.

• يسعى وراء أهداف سياسية: إعلان دولة الخلافة، ويفرض قراءته للشريعة على الأراضي التي يحتلها، ويستفيد من قمع الحكومة للسنة في العراق، فضلا عن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا.

• إضافة إلى إعدام الكثير من الجنود والمواطنين المحليين، ينفذ حملة خطف رهائن من الصحفيين وعمال الإغاثة الغربيين وقتلهم.

• يقوم داعش بعملية دعاية موسعة بإعداد أشرطة فيديو متطورة وتوزيعها عبر “اليوتيوب” والإعلام الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية.

• عبر جذب المجندين من الدول الغربية، يمثل داعش تهديدا في بلدان هؤلاء المجنّدين.

بناء على ملامح استراتيجية الحرب الهجينة، التي تشكّلت بالخصوص في العراق وسوريا، لوحظ أن هذه التكتيكات يجري إتباعها في صراعات أخرى في البلدان النامية، ففي مالي، مثلا، قامت مجموعات جهادية ممولة عن طريق التجارة في المخدرات والأسلحة بالاستحواذ على انتفاضة الطوارق العلمانية أساسا. أما في نيجيريا فقد نفّذ التنظيم الإسلامي بوكو حرام عدة أنواع من الهجمات، وكان قد تحوّل من حركة تمرد إلى تنظيم مجهز بمعدات عسكرية من أسلحة وسيارات، وفي الوقت نفسه يقوم بالأعمال الإرهابية والاختطاف.

الردود التقليدية عاجزة عن مواجهة خطط داعش المزدوجة


ما هي ردود الفعل تجاه التهديدات؟


أمام تعقّد هذه الصراعات، تعلّمت الحكومات الدرس بأن هناك حاجة إلى سرعة أكبر لمعالجة التركيبات الجديدة للتكتيكات التي تستعملها التنظيمات المتمردة والإرهابية، لكنها تستغل أيضا تفوقها في المعدات التكنولوجية والعسكرية وثقلها الاقتصادي والشرعية الحكومية. ومن ثم شملت ردود الفعل تجاه التهديدات الهجينة التي تتعرض لها مزيجا من الخطوات العسكرية وزيادة النشاطات الاستخباراتية والمراقبة والإجراءات الاقتصادية مثل العقوبات.

في أوكرانيا، مثلا، لا ترغب الحكومات الغربية بتاتا في التدخل العسكري لكنها أرادت أن تبعث لموسكو بإشارة مفادها أن تضامن الحلف الأطلسي مازال قويا، وأن الحلف سيكون متأهبا عسكريا للوفاء بالالتزامات الدفاعية المشتركة إذا ما تم إزعاج أحد الحلفاء بشكل مماثل. ذلك هو فحوى الرسالة من الأعمال التي قام بها الناتو لتكثيف الحضور العسكري والدوريات العسكرية في بلدان أوروبا الشرقية الأعضاء في الحلف.

وقد توصّل قادة الحلف إلى خطة عمل للجاهزية تتضمن حضورا جويا وبريا وبحريا متواصلا في بلدان أوروبا الشرقية الأعضاء وتكوين فريق عمل مشترك عالي الجاهزية في الصفوف الأمامية.

في الوقت نفسه عندما اجتاح تنظيم داعش شمال غرب العراق وهاجم أهدافا جديدة في سوريا تكوّن تحالف تقوده الولايات المتحدة لمجابهته. ومرة أخرى تضمنّت ردود الأفعال عناصر عسكرية، تتمثل في إرسال المزيد من المستشارين العسكريين إلى العراق ودعم القوات الكردية، فضلا عن الضربات الجوية على أهداف تابعة لداعش في كل من سوريا والعراق.

لكن القادة الذين أذنوا باتخاذ هذه الإجراءات كانوا واعين بأنها غير كافية، ففي سياق عسكري بحت لا يمكن أن تنجح أي حملة في النهاية دون قوات برية، لكن لا يوجد على جدول الأعمال إرسال قوات مقاتلة إلى أرض المعركة. حيث تمثلت الاستراتيجية في الحرب على تنظيم داعش، في العراق وسوريا، في مساعدة القوات المحلية في تطوير قدراتها واستعمالها بالرغم من أن ذلك، وإن أمكن تحقيق جزء منه في العراق، فإنه بقي يمثل إشكالا كبيرا في سوريا. وكان من الواضح أن هذا النوع من الردود التقليدية لن يكون مناسبا للتعامل مع التهديدات “الهجينة”.

من المهم الرد في معركة الخطاب لمجابهة الرسائل الدعائية، لكن ذلك كان تحديا للحكومات الديمقراطية بطرح مسائل معيّنة فيما يخص استخدام الإعلام العصري. ومن ثم اتجه حلف الناتو والحكومات الأعضاء فيه إلى التركيز من جديد على “التواصل الاستراتيجي”.

7