عقيدة السياسة الخارجية الأميركية ما فتئت قائمة على الأمن قبل الديمقراطية

الاثنين 2014/11/10
أوباما يسير على نفس سياسات سلفه بوش مع فروق بسيطة

ما أشبه الليلة بالبارحة، هذا ما يؤكده اليمني بكيل أحمد الزنداني في كتابه “عقيدة بوش والشرق الأوسط الكبير.. الحرب على الإرهاب وتشجيع الديمقراطية”، حيث نلحظ أن نفس السياسات التي مضى عليها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن في الشرق الأوسط هي السياسات التي يسير عليها الرئيس الحالي باراك أوباما، فالفوارق ليست بعيدة في الشقين اللذين يعالجهما الكتاب خاصة في حالتي مصر واليمن: الأمن وتعزيز الديمقراطية، وعلاقتهما بالمساعدات العسكرية والاقتصادية، وما آلت إليه الأمور مع الفشل الذي منيت به هذه السياسات حيث ذهب الشرق الأوسط إلى ما نراه عليه اليوم.

الكتاب الذي ترجمه عن الإنكليزية محمد عبدالنبي، وصدر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر فى القاهرة، ويقع في 288 صفحة من القطع المتوسط، يُحاول أن يقدم من خلال الآراء السياسية والفكرية والوقائع النظرة الاستراتيجية للرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن وخياراته -خيارات المحافظين الجددـ لمكافحة الإرهاب، وفي ذات الوقت خياراته لدعم الديمقراطية في دول الشرق الأوسط، كاستراتيجية للحد من هذه الظاهرة، والتي يمكن أن تكون مصنعا لتفريخ المتطرفين بسبب أنظمتها الاستبدادية، كما أنه يبحث في ازدواجية المعايير التي تتخذها تلك النظرية في التعامل مع الشرق الأوسط. ويتساءل ما إذا كان صناع السياسات الأميركيون قد قاموا فعلا بإعادة صياغة سياستهم الخارجية تجاه الشرق الأوسط أم أنهم قد افترضوا نفس معادلة الأمن والديمقراطية، مستمرين في تقديم الاهتمام بالأمن ومصالحهم الحيوية على الديمقراطية؟

هل سعت إدارة بوش بالفعل لتحقيق كل من الأمن والديمقراطية عبر سياسة الحرب على الإرهاب هذه؟ أم أنها وعلى غرار الإدارات السابقة قد انتهت إلى الاحتفاظ بالأمن على حساب الديمقراطية؟ بتعبير آخر هل اتسمت إدارة بوش بالنزاهة والصدق وهل وفت بوعدها في دعوتها لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط؟

في سياق آخر، يرى الزنداني أن عقيدة بوش كانت استمرارا للاستراتيجية الأميركية السابقة من حيث مزجها ما بين الواقعية والليبرالية، غير أنّه في حين كانت الليبرالية ثانوية لدى الإدارات السابقة، وتشدد على التحول المنهجي عبر تعزيز الديمقراطية إلى الواقعية وتشدد كذلك على الاستغلال النفعي للقوة لتأمين المصالح الوطنية الأميركية، فإنّ عقيدة بوش قد جعلت من تعزيز الديمقراطية عاملا محوريا.

الكتاب يبحث في ازدواجية المعايير التي تتخذها واشنطن في التعامل مع الشرق الأوسط

من جهة أخرى، يؤكد الزنداني بعد تحليله لحجم المساعدت التي قدمتها إدارة بوش للشرق الأوسط في مسألة تعزيز الديمقراطية بين سنوات 2001 و2009 والتي رجحت فيها كفة المساعدات العسكرية على المساعدات الاقتصادية، أن “تحقيق السلام والأمن في الشرق الأوسط ظل يأتي قبل الديمقراطية، وظلت مكافحة الإرهاب تأتي قبل سلطة القانون وحقوق الإنسان، والأمن الوطني الأميركي قبل الحكم الرشيد، مما يشير بجلاء أن قضية الأمن هي الأكثر أهمية بالنسبة لصانعي السياسات الأميركيين من أية قضية أخرى، وخاصة في حالة الشرق الأوسط”.

كما يشير إلى أن الاعتماد على القوة العسكرية قد يكون خيارا صائبا كخطوة أولى في حالة وجود خطة تهدف لإيقاف الصراعات أو الإبادة الجماعية، فعندئذ تأتي الديمقراطية كخطوة ثانية، علاوة على هذا فإن القوة العسكرية ليست الآلية الدقيقة عند تطبيق استراتيجية تعزيز الديمقراطية، فإن تحركات إدارة كلينتون في يوغوسلافيا والبوسنة تقدم مثالا تقليديا على هذا الالتباس وافتقار التحديد.

في سياق آخر، يركز الزنداني على دراسة حالتي كل من مصر واليمن، حيث تمثل كلا الدولتين نمطا خاصا في ما يتعلق بالتعامل الأميركي، حيث يقول: “تعد مصر منذ منتصف سبعينات القرن الماضي حليفا قويا للولايات المتحدة فيما يتعلق بالسلام والأمن في المنطقة، خاصة أنها تقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل شأن الأردن.

وتلعب مصر بسبب هذه العلاقات دورا في الشؤون الإقليمية، ومن ذلك الصراع العربي الإسرائيلي، وهو واحد من أهم ما تعنى به الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”

ولقد اعتبر كثير من المراقبين أنّ سياسة بوش في تعزيز الديمقراطية في مصر تعدّ مجرد خطابات سياسية جوفاء، وذلك لأنها افتقرت إلى الاستمرارية، ولأنها تغيرت تغيرا جذريا من فترة ولايته الأولى إلى الثانية.

هذا السلوك التاريخي الأميركي نحو المنطقة، يتجسد كذلك في حالة اليمن، حيث يرى الزنداني “أن الولايات المتحدة تاريخيا لم تعتبر اليمن دولة حيوية فى سياستها الخارجية غير أنّ الحرب علي الإرهاب والتخوف من أن تصبح اليمن مركزا جديدا للقاعدة أو أفغانستان أخرى، كما بات يقال، أرغم إدارة بوش على إعادة التفكير في أهمية دعم الحكومة اليمنية، وهكذا رأت إدارة بوش أن تتعاون مع نظام الرئيس عبدالله صالح بهدف محاربة الجماعات الإرهابية، وإذ بنا نكتشف حقيقتين الأولى أن حجم المعونة المقدمة من إدارة بوش لليمن، وهي إحدى أفقر دول المنطقة كانت بالغة الضآلة بالمقارنة مع ما تتلقاه دول أخرى مثل مصر أو الأردن أو العراق أو باكستان أو أفغانستان، وفي أسخى السنوات جميعا لم تتجاوز معونة إدارة بوش لليمن 30 مليون دولار، وهو مبلغ اعتبره الكثير من الساسة ضئيلا في ضوء احتياجات اليمن التنموية.

والحقيقة الثانية هي أنّ أغلب المعونات الأميركية لليمن خلال سنوات بوش ذهبت إلى القطاع العسكري والأمني، وما تم تخصيصه لتعزيز الديمقراطية لم يتجاوز المليون دولار في أفضل السنوات المالية.

7