عقيدة الهيمنة على العرب لا تفرق بين محافظ وإصلاحي في إيران

الأربعاء 2015/03/11
إيران لم تعد أثناء نزع سيادة العرب عن أراضيهم في حاجة إلى الاختباء

طهران - تبدو الحكومة العراقية مرتاحة لتوسع التأثير الإيراني في البلاد، حيث تتولى طهران بشكل كبير عملية استعادة تكريت من سيطرة داعش وتستعد للاتجاه نحو الموصل، لكن عواصم عربية أخرى لا تمتلك نفس الشعور وتحاول مقاومة هذا التمدد.

أثارت تصريحات أطلقها علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني عن هيمنة بلاده على العراق استياء واسعا بعد أن انتقلت التدخلات الإيرانية في الدول العربية من الغرف المغلقة إلى العلن.

وقال يونسي الأحد، إن “إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”، وذلك في إشارة إلى إعادة الامبراطورية الفارسية الساسانية قبل الإسلام التي احتلت العراق وجعلت المدائن عاصمة لها.

ونقلت وكالة أنباء “ايسنا” للطلبة الإيرانيين عن يونسي تصريحاته خلال منتدى “الهوية الإيرانية” الذي انعقد في طهران، حيث قال إن “جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد”، في إشارة إلى التواجد العسكري الإيراني المكثف في العراق خلال الآونة الأخيرة.

وتصريحات يونسي التي أطلقها في وقت تشارك فيه عناصر من الحرس الثوري الإيراني قوات الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي الشيعية في معركة استعادة مدينة تكريت من تنظيم داعش، تعكس تعمق العقيدة التوسعية بين الأوساط الإيرانية على اختلاف توجهاتها المحافظة أو المعتدلة.

ولم يبد يونسي، الذي شغل منصب وزير الاستخبارات في حكومة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، مترددا في إطلاق تصريحاته التي أثارت الجدل داخل إيران وخارجها، بل هاجم أيضا كل معارضي النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبرا أن “كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية”.

تقارير أشارت إلى أن تحركات القوات الإيرانية لم تقتصر على تكريت بل وصلت إلى محافظة ديالى شمال شرقي بغداد

وكان يونسي يقصد بهذا الهجوم عدة أطراف أولها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الذي كان قد حذر الأسبوع الماضي خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الأميركي جون كيري من سيطرة إيرانية كاملة على العراق.

والسعودية من أكبر المعارضين للتمدد الإيراني في المنطقة، وباتت طهران تهدد أمن دول الخليج في البحرين من خلال دعمها للمتشددين الشيعة الذين ينتهجون العنف في مواجهاتهم مع السلطات الحكومية.

وتخطت التطلعات الإيرانية حدود محيطها الإقليمي ودول الخليج أيضا، وامتدت لتشمل باقي منطقة الشرق الأوسط.

وعبر يونسي عن ذلك قائلا “سندافع عن كل شعوب المنطقة لأننا نعتبرهم جزءا من إيران، وسنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية”.

وأشار يونسي في كلمته إلى أن بلاده تنوي تأسيس “اتحاد إيراني” في المنطقة، قائلا “لا نقصد من الاتحاد أن نزيل الحدود، ولكن كل البلاد المجاورة للهضبة الإيرانية يجب أن تقترب من بعضها بعضا، لأن أمنهم ومصالحهم مرتبطة ببعضها بعضا”.

ويرى كثيرون أن العراق بات على غرار سوريا محتلا بشك كامل اليوم من قبل إيران، التي لا يقتصر تواجدها العسكري في تكريت فقط، بل إن تقارير أشارت إلى أن القوات الإيرانية وصلت إلى محافظة ديالى العراقية شمال شرقي بغداد.

ولا تبدو تصريحات يونسي، كما ذهب البعض داخل إيران، مجرد تطمينات تعمد الإصلاحيون إطلاقها لطمأنة معسكر المحافظين الذين يضغطون على حكومة الرئيس حسن روحاني من أجل التراجع عن توقيع اتفاق نووي مع القوى الغربية حول الملف النووي الإيراني. ودعت شخصيات مؤثرة داخل الحكومة “الإصلاحية” مؤخرا إلى توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة كبديل مجد في مقابل الملف النووي.

محمد قواص: السيطرة تجري بصفتها عند الحاكم العراقي من عاديات الامور

وقالت مصادر إيرانية إن مساعدين لروحاني يعتقدون أن المحافظين مستعدون لتقبل بنود الاتفاق الجديد إذا كان المقابل هو الإسراع من تمديد أذرع الهيمنة الإيرانية في المنطقة.

لكن الواقع، كما يقول مراقبون، مختلف عن تلك المزاعم، إذ أن حلم السيطرة على بلدان الشرق الأوسط يتساوى في ابعاده بين المحافظين والمعتدلين.

ويقول محمد قواص، الباحث والكاتب السياسي اللبناني “لا يصدرُ الكلام عن إدارة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد المشهور بشعبويته، ولا عن مؤسّسة الوليّ الفقيه الذي ما برح يروّج للثورة الإسلامية ديدنا للعالم أجمع، بل يصدرُ عن دوائر اعتدال تمثّل إيران العميقة، وبالتالي عن انتلجنسيا تُعِدُّ لفلسفة الحكم والبقاء والتمدد (وفق الأبجديات الداعشية)”. وأضاف “إذا ما أعلن الرجلُ عما بات معروفا عن (امبراطورية) وبغداد عاصمة، فأين المفاجأة في ذلك؟”.

ويونسي من أقرب المسؤولين لروحاني، ويحتل مكانة بارزة لدى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي.

وكان يونسي من بين من أسسوا واستكملوا بناء سياسة التوسع الإيراني في العراق عندما كان يشغل منصب وزير الاستخبارات في عهد الرئيس خاتمي. لكن هذه السياسة ظلت تحت غطاء من السرية تحت حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي كان يضمر عداء شديدا لسلطة ولي الفقيه في طهران.

لكن منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بدأ المسؤولون الإيرانيون على اختلاف توجهاتهم يجهرون بخططهم للسيطرة على مجريات الأمور في بغداد.

وكان التشدد الديني وأنشطة تنظيم القاعدة المكثفة ضد المدنيين ومؤسسات الدولة هي الحجة التي تبناها الإيرانيون للتدخل في العراق تحت غطاء دعم الحكومة في مواجهتها. وعلى ما يبدو فإن تعمق هذا التمدد في العراق يتم الآن على نفس نهج مقاومة المتشددين السنة، لكن في هذه الحالة في شمال العراق وبشكل علني.

ويقود الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني عمليات استعادة مدينة تكريت من سيطرة تنظيم داعش، ضمن عملية عسكرية كبيرة ينظر غليها المراقبون باعتبارها اختبارا لتحرير مدينة الموصل أكبر المدن الواقعة تحت سيطرة التنظيم المتشدد.

وأعرب قواص عن استغرابه من رد فعل الحكومة العراقية على هذه الأنشطة الإيرانية. وقال “يجري الأمرُ بصفته عند الحاكم العراقي من عاديات الأمور، لا يسببُ حرجا ولا حتى تحفظا صوريا”.

12