عقيدة ومتخيل ومسدس

الثلاثاء 2015/01/13
المهاجمون يحملون عقيدة عنصرية

حين هاجم الثلاثي “سعيد ومراد وشريف” صحيفة “شارلي إيبدو” وأعدموا رسامي الكاريكاتير والشرطة والعابرين الأبرياء، كان ثمة حدثان رئيسيان في العالم العربي لا يقلان عنفا وإجراما، الأول في موريتانيا حين حكم على كاتب بالإعدام بعد إدانته بجرم الإساءة للعقيدة والرسول.

والحدث الثاني حين أجاز رئيس تحرير صحيفة النهار اللبنانية العريقة مقالا عنصريا تجاه اللاجئين السوريين في لبنان وفي بيروت تحديدا وبشارع الحمرا حصرا، لتسويغ مجازر قد لا تقل دموية عن تلك التي حاقت بالفلسطينيين في “تل الزعتر” و”صبرا وشاتيلا”.

بطبيعة الحال، الأصل في الحالات الثلاث هو العقيدة العنصرية، التي لا تؤمن بالآخر، سواء كان دينيا أو عرقيا أو إيديولوجيا، لكن في كل الحالات تبقى العقيدة مرجعا وسندا، غير فاعل في التفاعلات السياقية ومجالات التواصل، إنما المؤثر بقوة هو تصريف العقيدة، أي المتخيل.

من هنا ترتبك المعادلة وتتعقد، فلا تظل المرجعية الدينية حصرا هي ما حدا بالثلاثي “سعيد ومراد وشريف” إلى الجريمة في باريس، ولا طهرانية المحكمة الموريتانية وأصوليتها فقط، ولا حتى لبنانية السيد “حسين حزوري” التي تحن إلى زمن بيروت الشرقية الإنعزالية البيضاء، بل ثمة شيء آخر، متصل بإدراك حدود الانتماء، الذي يخلط بين الدم واللغة وبين الشعار والجسد.

والشيء الأكيد أن عوامل ثقافية وسوسيو معرفية عديدة، ظهرت للوجود، مع استشراء ظواهر الأقليات المهاجرة، وبروز شرائح اجتماعية منبوذة من قبل الحضارة المعاصرة، ممثلة في السود، والملونين، والمدمنين، ومرضى الإيدز، والغجر، والمثليين، والجماعات الأصولية، والخلايا الإرهابية، والتي أفرزت متخيلات عنيفة لا تؤمن بمفاهيم “الغيرية”، و”التعدد”، و”الانفتاح” و”الإنسانية”..، وغيرها من المفاهيم المتصلة بالمتخيل الجماعي أكثر من اتصالها بالعقيدة، من هنا تكون الجريمة في الحالات الثلاث المتزامنة، عزيزي القارئ، مقترنة بالمتخيل المريض والمتمركز والعنصري، أكثر من اتصالها بالدين أو العرق أو حتى بالبشرة السمراء أو السوداء، مقترنة بالكراهية المقدسة التي تلوذ بذاكرة الصور المختلة عن الأغيار الذين هم باسمرار “جحيم” مؤبد، لا يحتاج إلى لاهوت لتبرير الضغينة.

في رد فعل كاريكاتوري فج، قرن الكلاشينكوف بالهوية (الإسلام والعروبة والجنوبية)، بدا الرسم مغريا ومثيرا لرغبة الانتقام التخييلي، بيد أن المفارقة جعلت التخييل لا ينتقم من المتخيل المريض والعنصري، وإنما من الانتماء البريء، بينما انتماء في العمق لا يجعلك تحمل مسدسا ولا حتى سكينا، المتخيل والأدبيات المقترنة به عند أشباه برنار هنري ليفي وسعيد عقل وسيد قطب هي القاتلة.

15