عقيل عباس الأوسي عراقي ينتج رسما أشبه بالموسيقى

فن التشكيلي العراقي ظاهرة استثنائية في تاريخ الحداثة الفنية في العالم العربي لأنه نجح في ابتكار طريقة جديدة يكشف من خلالها عن اشتباك هويته المحلية بهويته العالمية.
الأحد 2020/07/26
عقيل عباس الأوسي بين التجريد والخط العربي

ما الذي يعثر عليه الرسام التجريدي في الخط العربي ليسحره ويجعله واقعا تحت تأثيره؟ هذا الأمر لا يقتصر على الرسامين العرب بل يشمل عددا من كبار الرسامين في العالم. الفرنسي أندريه ماسون شغف بأشكال الحروف العربية واستعملها في لوحاته غير أنه لم يصل إلى مرحلة الخط. فالخط نظام عقلي قبل أن يظهر على هيأة صور. من الصعب على الرسام أن يدخل إلى المتاهة التي تتشكل في فراغ هندسي من غير أن يضيع.

عقيل عباس الأوسي فعلها حين حمل الخط معه إلى التجريد. لقد عاش هذا الرسام زمنا طويلا في باريس رساما تجريديا. أما حين قرر الانتقال إلى الخط العربي وجد أن باريس ليست هي المكان المناسب لإنجاز تلك النقلة المصيرية في حياته فانتقل إلى الرياض.

كانت الرياض بمثابة مكان آمن ومطمئن لوقوع ذلك التحول. استبدل عقيل حياة بأخرى مثلما استبدل أسلوبا بصريا بآخر فكان أن عثر على المكان الذي يشكل طوق حماية لتجاربه في الخط والتي ستكون تمهيدا للوصول إلى أسلوبه الخاص في الجمع بين فني الخط والرسم في محاولة بصرية نادرة، من جهة استرسالها في الكشف عن جماليات الفنين في وقت واحد.

قطيعة وانفتاح

ولد الأوسي عام 1948. تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد، ثم انتقل إلى باريس لأكمال دراسته فحصل على الدبلوم العالي من البوزار، كما حصل على دبلوم آخر في فن الليثوغراف. وبالرغم من أن الأوسي قد فضل الإقامة والعمل في باريس على العروض التي جمعته بعدد من الفنانين العراقيين المكرسين غيرأنه ومع الوقت صار يكتفي بعروضه الباريسية والأوروبية.

الأوسي يحمل الخط معه إلى التجريد. عاش زمنا طويلا في باريس رساما تجريديا. أما حين قرر الانتقال إلى الخط العربي، وجد أن باريس ليست هي المكان المناسب لإنجاز تلك النقلة المصيرية في حياته، فانتقل إلى الرياض

وبسبب ذلك الانقطاع الذي رافقه انفتاح على تحولات الفن الحديث في العالم ليس من الصحيح البحث عن أواصر الصلة التي تربط بين تجربة هذا الفنان والرسم الحديث في العراق. تلك تجربة نمت وتطورت في حضن التجربة الأوروبية الذي فتح أمامها طرقا في التعرف على الفن لم تنفتح أمام الفنانين العراقين الآخرين، فكان مختلفا في فهمه للأسلوب التجريدي نتيجة اتصاله المباشر بما ينجزه الفنانون الآخرون.

كان تجريديا لزمن طويل غير أن حكايته مع الخط العربي سيكون لها أكبر الأثر في التحكم بأسلوبه ومصير لوحته ونوع متلقيها. 

سعيا وراء الموسيقى

يعيدنا الأوسي إلى زمن التجريد النقي، لكن بطريقة، يمزج من خلالها مرجعيات جمالية سيكون من الصعب توقع تلاقيها على سطح تصويري واحد. فالفنان الذي عُرف في أوقات سابقة بولعه بفن الخط العربي نجح أخيرا في الوصول إلى مواقع الإيقاع، من غير المرور بالعناصر الشكلية التي يأسر من خلالها الخط مفرداته.

وهو هنا إنما يطبق تلك المقولة التي تشير إلى أن كل الفنون تسعى إلى أن تكون موسيقى. ففي لوحاته تتماهى الحواس، بعضها مع البعض الآخر، كما لو أنها تمارس الشيء نفسه. ذلك الشيء الذي ينفتح على جنة سرية لا تستعير موادها من الواقع، بقدر ما تستخرج عناصرها من ذاتها، ليكون الشيء الذي نراه هو ذاته الشيء الذي نسمع رنين أجراسه أو نشم رائحته أو نلمسه باعتباره رسالة من مكان خفي.

ذلك كله لا يمكن أن يكون حقيقيا ما لم يخلص الرسم إلى حريته في أن يكون مستقلا عما يصوره أو يفكر فيه أو يتخيله. هو ما يمكن أن نسميه الرسم الخالص. ولأنه عاش الجزء الأكبر من حياته في الغرب، فإن خبرته بالتحولات الأسلوبية تؤهله لاختيار الطريق التي تناسبه من أجل الوصول إلى المنطقة التي يكون فيها الكشف عن قوة الإيقاع التي ينطوي عليها أثر الحرف العربي آمنا، بحيث يمتزج ذلك الإيقاع بمفهوم اللوحة الحديثة من غير التعكز على المقولات الجاهزة التي تتعلق بالهوية والتراث.

لغة بصرية مستقلة
لغة بصرية مستقلة

 ينتج الأوسي أعمالا فنية حديثة يمكن النظر إليها من خلال العودة إلى مرجعية فنية عالمية مطلقة عابرة لحدود الثقافات. الرسام هنا لا ينتمي إلى العصر بقوة ماضيه بقدر ما يسعى إلى تأثيث العصر بما استلهمه من خيال يديه اللتين كانتا مشدودتين إلى قوانين فن، لم يتعرف عليه الغرب إلا باعتباره نوعا من التجريب الفني القائم الارتباط بالمقدس. ذلك الدرس الذي استوعبه الأوسي جيدا حين اختار أن يشق طريقه إلى الحداثة الفنية باعتبارها خيارا وحيدا.

يومها وضع الفنان قدميه على السلم الذي لن يغادره. ذلك ما جعله مقيما في السؤال الذي يتعلق بمصير الفن. وهو ما أعاده في أوقات سابقة إلى أن ينظر باسترخاء إلى ماضيه الجمالي. لقد تأنى في عملية تشكيل الكائن الفني الحديث الذي سيكونه. فكان أشبه بالمؤلف الذي يعود إلى مرجعيات شخصية ليصل إلى الحقيقة.     

كانت الحقيقة الجمالية في مكان آخر. ذلك ما توصل إليه. يومها. صار عليه أن ينتج فنا مختلفا. هو ذلك الفن الذي لم يهدر من خلاله شيئا مما تعلمه. حياته كلها في لوحاته. إنه يرسم كما لو أنه يتذكر فصولا من حياته. ذلك التجريد الصافي هو السطح لحياة تضج بالألم. سيكون من الصعب وصف جمال يتألم. تلك فكرة عن الرسم تقابلها فكرة أن يكون النظر إلى العمل الفني مناسبة للسعادة.

ذلك هو ما سعى الأوسي إلى تكريسه. فالرسام بالنسبة إليه يرسم من أجل أن يبقى جمهوره ممسكا بالخيط الذي يصل إلى الإيقاع. يمكنه هناك أن يعترف لهم بفكرته “الجمال كما لو لم يعرفه أحد من قبل” إنه يشرك جمهوره في نبوءة الصلح بين الحواس. أنت ترى وتسمع وتلمس وتشم وتتذوق في الوقت نفسه. ليست الرسوم سطوحا تصويرية بل هي حياة مجاورة. حياة يمكن أن نعيشها بترف ورخاء وهدوء. 

حقيقة أشبه بالحلم

فن عقيل عباس الأوسي يمثل لحظة تحول مهمة في تاريخ الحداثة بالعالم العربي
فن عقيل عباس الأوسي يمثل لحظة تحول مهمة في تاريخ الحداثة بالعالم العربي

إذا ما نظرت إلى تجربة الأوسي في سياق المحترف الفني العربي لا بد أن أشير إلى أن تلك التجربة تعد واحدة من أهم التجارب الفنية التي زاوجت بين المحلية والعالمية، بطريقة بعيدة عن شعارات الهوية والأصالة المفتعلة. إنه فنان أصيل لكن بشروط جماليته الخاصة.

غير أن النظر إلى تجربته الفنية في فضاء المحترف الفني العربي يهبها قدرا من الخصوصية باعتبار تلك التجربة لا تشكل امتدادا لتجارب سبقتها بقدر ما تمثل كيانا قائما بذاته، بعيدا عن تأثيرات المنجز الحداثوي العربي. 

فنه إضافة نوعية إلى ذلك المنجز، من جهة كونه يفتح الآفاق على مناطق بصرية لم يسبق للرسامين العرب أن اقتربوا منها. غالبا ما كان استلهام الحرف العربي جماليا يستند أما على صورة الحرف وإما أثره.

أما لدى الأوسي فقد كان الإيقاع هو الأساس. وهو ما يعني أن الأشكال المجردة صارت تنعم بحرية تستمدها من ارتباطها بالموسيقى وهي ما تبقى من جماليات بصرية لن يكون ضروريا البحث عن معان لها في المحيط اللغوي. ذلك لأنها تمثل في حد ذاتها لغة بصرية مستقلة.

لهذا السبب يمكن اعتبار فن الأوسي ظاهرة استثنائية في تاريخ الحداثة الفنية في العالم العربي. لا لأنه لا يشبه سواه من الفنانين العرب وليس لأنه اخترع مسافة تفصله عن المحترف الفني العربي فحسب بل وأيضا لأنه نجح في ابتكار طريقة جديدة يكشف من خلالها عن اشتباك هويته المحلية بهويته العالمية. إنه فنان عربي يتنفس هواء العالم بحرية وخفة وشعور عظيم بالاطمئنان. ذلك لأن لغته البصرية التي يمكن اعتبارها لغة عالمية تظل محملة بخصوصيتها. تلك لغة تشير إلى أنه فنان من الشرق.

غير أن ذلك الشرق يمر بسلام بسبب انفتاح لغته على العالم. وكما أرى فإن فن عقيل عباس الأوسي يمثل لحظة تحول مهمة في تاريخ الحداثة بالعالم العربي. ذلك لأنه أشبه بالحلم الذي يقود إلى الحقيقة. حين نرى لوحاته نظن أننا نحلمنا في الوقت الذي تقوم فيه تلك اللوحات بتأكيد حقيقة ارتباطنا بالعالم.

فنان أصيل لكن بشروط جماليته الخاصة
فنان أصيل لكن بشروط جماليته الخاصة

 

9