عقّ الأبناء فعاث الدخيل في ليبيا فسادا

الخميس 2014/07/24

قال صاحبي، تأكّد الرأي لدي أن ليبيا أم طالحة غير صالحة. قلت كيف؟ قال، لو كانت من الصالحات لما عق أبناؤها، فباعوها للغير ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، ويأتي بعدد من المعتقدات وكثير من الميولات تحت مظلّة ظاهرها حقّ وباطنها باطل.

استغربت كلام صديقي فتعجّبت، فاستزدت شرحا وإيضاحا فقال: كانت ليبيا، بعد تخلّصها من الدخيل المغتصب، واستعادة سيادتها وهيكلتها في دولة فتيّة سريعا ما ركّزت قدمها، رغم الإملاق البشري والمادي، ركّزتها بثمن باهظ من الدماء وعرق الجبين، فأصبحت ملكية برلمانية ضمنت الكثير من الحقوق والحريات، فساد الأمن والسلام، وتكاثر العمل والسعي، وعمم التعليم والتثقيف، فلم ينقض إلا عقد حتّى استلم أبناء البلد المؤهلون مقاليد جميع دواليب الدولة والبلاد، فلم يبق للدخيل على أرض ليبيا مكان.

لم يكن طبعا نظاما مثاليا، فالكمال بعيد المنال، ولكنه نظام ضمن كرامة الوطن وسيادته، وتمتع فيه المواطنون بالأمن والنمو وبداية الرفاهة والازدهار، بعد أن وهب الله أرض ليبيا الطيبة ثروة، تحولت لها بعد ذلك وبالا، ثم ابتلاها بمستبد، جثم على صدرها أربعة عقود، فخلف في البلاد ثقافة المادة والجحود، أساسها الأنانية والفردية، وعدم توافر الجهود.

لم ينطق صاحبي على ضلال، بل قال صوابا استوعبته، بينما خيالي يستعرض ليبيا الأولى وهي صاعدة، وليبيا الثانية وهي تُمسخ وتذوب، تحت أعين الناس ومن بقي من أبنائها الغافلين، وليبيا الثالثة ينهشها المغامرون، وهي ممزّقة بين الاغتيالات والاختطافات، خاضعة لانتهاك الأعراض، غارقة في الفوضى وتبذير الثروة.

تحت وقع تخيّلاتي قاطعت صاحبي وقلت في شبه صيحة: عقّ الأبناء وأيم الحقّ! فأهملوا أمّهم فعاث فيها الدّخيل فسادا. أين يا ترى أحرار درنة وأبطالها؟ أبعد أن كانت قلعة الوطنيّة والثقافة والتحضّر، تؤول إلى جحر يعشش فيه خليط من الدّخلاء المغامرين المجرمين، يخرّبون ويفسدون والله لا يحبّ الفساد؟

ألم يترك رفاق عمر المختار الأبطال الأشاوس، الذين لقنوا التاريخ درسا في الذّود عن حياض الوطن وأعراض أهله، والتصدّي لكلّ دخيل، ألم يتركوا أبناء وأحفادا يسيرون على دربهم دفاعا عن كرامة ما ترك لهم السّلف الصّالح؟

أين يا ترى أبناء المجاهدين الأبطال أمثال بن عسكر وسيف النصر والسويحلي والمحمودي وكلّ الذين تصدّوا وضحّوا، ثمّ الذين بنوا وشيّدوا؟

ارتسمت على وجه صاحبي ملامح التعجّب والاستغراب، إذ لا عهد له بثورتي ولا بارتفاع صوتي، فربت على كتفي بكلّ رفق وقال: دع عنك هذا، فلا أحد يفقه قول، إنّ معظمهم ارتووا من معين المادّة والانهزامية، وفقدان وذوبان الشخصية، وتلذذ التبعية، والغاية الكبرى مصالحهم الشخصية.

ألم تر كيف صفقوا للعلم الفرنسي ورفعوه مبجلين مفتخرين، كما لو كان علم وطنهـم الحـزين؟ ألم تر كيف رحبوا بالمندسين في صفوفهم من أبناء أقطار أوروبية بدعوى الاعتراف بالجميل، ونسوا أو تناسوا أو عمت أبصارهم عن أنه كلّ شيء إلا محبّة ليبيا والليبيين، وما صنعوه ليس سوى لأجل الدفاع عن مصالح ومنافع حاضرة ومرتقبة؟ أرأيت كيف تجرّعوا السّموم الآتية من لدن أبناء العمومة، فتعالت أصواتهم بالشكر والثناء؟ أليس هذا هو الضلال المبين؟ دعهم في غيّهم يعمهون، وللغير يعملون، وسترى أيّ منقلب ينقلبون.

قبل أن أجيب صديقي، تدخّل شيخ كان يجلس قربنا، دون أن ننتبه إليه، شيخ كتبت الأيّام على صفحات وجهه عناوين التجارب وحكمها، تدخّل في شيء من الاعتذار مبتسما قائلا: تابعت دون قصد منّي حواركما، فأكبرت وشكرت مشاعركما، وأسفت لتشاؤمكما.

لكن، بما أنّي أرى أنّ الله وهبكما زيادة في العلم والعقل، أقول لكما عودا إلى تاريخ ليبيا، قديمه وحديثه، فستجدان الحقيقة الغائبة والعبرة والعظة.

إنّ شعب ليبيا مزيج من الأصول والثقافات، خليط من الطباع والعادات، لكنّه عند الحاجة، وعندما ينادي المنادي يبرز كالطود، ملتحمة أجزاؤه، متّحدة آراؤه وغاياته، متراصّة صفوفه، لأنّه آمن ويؤمن بأن لا شيء يعادل الوطن، ولا وطن بلا كرامة وحرّيّة وعدالة. شعب يخسر المعارك، لكنه لا يخسر الحرب. لماذا؟ لأنّ بذوره كلّها طيّبة، وجذوره أصيلة، فهو يأبى الذل، ويرفض كل دخيل مستورد، لأن له في تاريخه وماضيه ما يغنيه عما يأتيه به كل مدع ضل السبيل.

له إيمانه المتين، وتعاليم دينه الحنيف، وما ترك له السّابقون من مبادئ وقيم وأخلاق، فلا حاجة له بما ينمّقه له كلّ أفّاق أثيم. أما هؤلاء الدعاة المزيفون، المرتزقـة المجرمون، فسوف يدحرهم السيل الشعبي فينسحبون، وعلـى الذين مولوهـم وأرسلـوهم ينقلبون، لأنهم بالإجرام وسفك الدّماء يقتاتون، لا دين لهـم بـه يهتدون، ولا مبادئ أو أخلاق بها يتحلـّون. لقـد علّمنا التـاريخ أنّ من كانت هذه صفاته، لا تُضْمن حياته، وإلى الدماء والبوار مرجعه. عند هذا الحد نهض الشيخ وأرسل نظراته بعيدا كأنّه يبحث عن طيف تذكّره وجعل ينشد:

حيّ الشـّباب وهـنّئ فـيه أمّته

*لولاه كدنا وكاد العدل ينهار

آمنت بالله من لا شيء يشبهه

*إنّ الشّباب إذا ما احتدّ جبّار

ودّعنا مبتسما، وبخطى بطيئة لكن ثابتة ابتعد وهو يتمتم أبياته، فبقينا نتبادل النظرات المعبّرة عن أمل كبير. أمل بأن شباب ليبيا، سوف لن يتركها طعمة ينهشها المغرضون الطامعون، لأنّه، رغم ما شابه من تلوّث في ثقافته، سيتغلّب عنده أصله وأرومته لأنّ المثل الشعبيّ يقول “كسكس له يرجع لأصله”، وأصل الليبي نبيل يأبى الذل والظلم، ويذود دوما عن حياض الدين والوطن، وكما قال البطل عمر المختار: “الضّربة التي لا تقسم الظهر تقوّيه”.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8