علاء أبوشاهين يوثّق سيرة حمار هجين بدراما هزلية

صالة “آرت أون 56 ستريت” ببيروت تقدم معرضا للفنان السوري المتعدّد الوسائط علاء أبوشاهين تحت عنوان "حمير"، عنوان لافت لبساطته ولطرافة ما قد يعبّر عنه.
الجمعة 2018/04/06
فصيلة جديدة

بيروت – تمحورت الأعمال المعروضة في صالة “آرت أون 56 ستريت” البيروتية للتشكيلي السوري علاء أبوشاهين حول حمار واحد في صيغ عيشه وأطواره ومواجهاته البطولية المختلفة مع ثلاثة عناصر: ذاته، وحوادث يصعب تحديد ماهيتها، ولكن يسهل تحديد أهميتها، وهيئة شخص واحد يكونه أحيانا وأحيانا أخرى يتصارع معه، وصولا إما إلى أعلى درجات الوئام والسلام، وإما إلى الشقاق الذي ما بعده وفاق.

وأمام الأعمال المعروضة التي تدعو جميعها إلى الابتسام انطلاقا من عنوان المعرض الموسوم بـ”حمير” وصولا إلى آليات الرسم، فإن أول ما يخطر على بال أي زائر للمعرض هو السؤال عن السبب الذي دفع الفنان إلى تشخيص مجموعة كبيرة من الحمير، هي في حقيقتها حمار واحد وهجين، لكن مُتعدّد الأطوار ومُلتبس الشخصية.

وبعد أن سألنا القيّمة على الصالة أجابت بأن في أحد الأيام رأى الفنان حمارا حاول التحرّش بمهر، ولكنها واصلت الفرار منه حتى حزن ويئس من أمل وصالها.

قصة طريفة ومؤثرة من ناحية، ومشهد/مُحرّك من ناحية أخرى، أشعل خيال الفنان وحماسته ليقدّم معرضا فنيا غنيا جدا بالأفكار والتقنيات المُستخدمة التي لن تجعل زائر المعرض يملّ من التمعن في تفاصيله المشغولة بحساسية ودقة عالية، علاوة على التأمّل في ما يمكن أن يعنيه عمل دون آخر من مشاعر وأفكار.

تعدّدت المواد التي استخدمها الفنان لتؤدي جميعها إلى “حماره” الخاص جدا لأنه، وحده، محور أعماله وكل ما يدور في فلكه على حد السواء، الأعمال المعروضة أغلبها نحتية من البرنز والورق المُدعم إلى جانب رسومات نفذها الفنان بأسلوب الكولاج، وفي المعرض عدد من الرسومات النافرة وغير النافرة أيضا والمشغولة بالحبر على الورق.

أبوشاهين قدم في معرضه تصميما وتشكيلا لكائن هجين فيه الحيواني والآلي والبشري، ما جعله ينتمي إلى عالم الخيال العلمي

ويُمكن اختصار كل أعمال علاء أبوشاهين بكلمة واحدة، هي أنها أعمال شيّقة، شيقة من حيث تقنية التنفيذ، لا سيما تلك الورقية الباهرة المُعتنى بكل تفاصيلها التعبيرية التي دلّت على ميل الفنان إلى حب التشكيل بالزوايا الحادة والتكسّرات التكعيبية التي تُذكّر ببعض منحوتات ولوحات الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، وتذكر أيضا بالأعمال التعبيرية الألمانية الجديدة التي تميّزت إلى جانب حدة خطوطها وألوانها بتأثّرها بأجواء الحروب العبثية.

هي أيضا أعمال فنية شيقة من ناحية الأفكار التي أحال بعضها المُشاهد إلى معان طُرحت في مؤلفات أدبية دامغة، كرواية “دون كيشوت” لسيرفانتس ورواية “الأبله” لدوستويفسكي الذي ذكر أن “دون كيشوت” هي أروع ما كُتب عن الطبيعة البشرية.

وفي رواية “الأبله” كان الأمير “ميشكين” يشعر بالسعادة كلما ناداه أحدهم باسم “الفارس الفقير”، في إحالة إلى دون كيشوت الذي وصف بـ”فارس الظل الحزين”، هو الفارس ذاته الذي عثر عليه زائر معرض الفنان علاء أبوشاهين في العديد من المنحوتات التي تمثله. وفي بعض الأعمال شخّص الفنان “الفارس” وهو يقف مترنحا حينا ومُتماسكا حينا آخر إلى جانب حماره، كما شكّله وهو يمتطيه تارة كبطل وتارة كجندي مهزوم.

تشكيلي سوري يستعيد روايتي دون كيشوت والأبله ليسقطهما على حاضر مأزوم
تشكيلي سوري يستعيد روايتي دون كيشوت والأبله ليسقطهما على حاضر مأزوم

وأمام كل هذه التنويعات النصيّة/البصرية كان لا بد من أن يصل الفنان علاء أبوشاهين إلى نحت مشاهد غير واقعية مثل أن يحمل صاحب الحمار حماره على رأسه مرة على مضض، ومرة أخرى بكل طيبة خاطر، وبذلك استطاع التشكيلي السوري أن يعزّز فكرة أن الفن قادر على تحويل أي عنصر من عناصر الوجود حيا كان أم جمادا، عظيما كان أم بسيطا، إلى ناطق باسم القضايا الإنسانية الكبرى.

وأكثر ما يشدّ الناظر إلى أعمال أبوشاهين أنها لا تشبه بعضها البعض، وأنها بالرغم من ذلك حافظت على تماسكها في جوّ واحد حمل توقيعه، كما أنها أعمال تشي دون استثناء، بفنان خطط طويلا ونفذ وهو مأخوذ بالكامل بما يريد التعبير عنه مُستنفذا كل التقنيات، ربما هذا ما أدى به إلى تصميم وتشكيل كائن هجين فيه الحيواني والآلي والبشري، فانتمى بذلك إلى عالم الخيال العلمي.

وتنتمي منحوتات علاء أبوشاهين إلى فصيلة جديدة تقع بأشكالها المركّبة التي تذكّر بالأعمال الفنية التي تعتمد على إعادة تدوير المواد، فبالرغم من تماسكها غالبا ما توحي بأنها ستتفكّك وتقع أرضا إن أزحنا تفصيلا واحدا من هيكلها، لذلك تحيل الناظر إليها إلى عالم الخيال العلمي، حيث تتحرّك الكائنات الهجينة المكوّنة من خلطة متجانسة -ولكنها مُقلقة- من الإنسان والحيوان والآلة.

وتذكر كائنات الفنان علاء أبوشاهين بالأجواء الدرامية لفيلم الرسوم المتحركة الذي حمل عنوان “وول-أي”، حيث يحكي الفيلم عن روبوت وحيد مُصمّم لتنظيف الأرض المهجورة والمغطاة بالنفايات في المستقبل البعيد ولقائه بآلة متطوّرة اسمها “إيف” يقع في حبها، ويتبعها إلى الفضاء الخارجي في مغامرة تُغيّر مصير جنسه والجنس البشري، مُغامرة لا تقل أهمية عن مغامرات فارس الفنان السوري علاء أبوشاهين وحماره الهجين والمتعدّد الملامح.

17