علاء الديب: القارئ "سجين البيت" راصد تشوهات المثقف المصري

الأحد 2018/01/21
غربة نفسية وغربة مكانية

حين يذكر اسم علاء الديب أتذكر فورا أنه “القارئ” الذي تفتح وعينا على قراءاته المهمة لأبرز كتب الفترة التي تألقت فيها زاويته الأسبوعية في مجلة صباح الخير “عصير الكتب” والتي استمرت ربما لعقدين كاملين. كان قارئا نموذجيا من حيث اختيار الكتاب ثم تقديمه بأسلوبه الجميل الرشيق والتوقف عند أبرز ما يثيره خلال هذه الزاوية التي لا تزيد عن صفحة واحدة في المجلة المرموقة.

أحببت الديب ككاتب أيضا، لأسلوبه الخاص، الجمل القصيرة المحملة بالشحنة الأدبية والشجن، خصوصا في روايته الذائعة “زهر الليمون”. الأسلوب نفسه وسم ثلاثيته الجميلة التي تتكون من الروايات: “أطفال بلا دموع”، “قمر على المستنقع”، “عيون البنفسج”.

لكنه بالنسبة إليّ كان مختلفا عن جيله الذي وسمت أعمال أغلب رموزه مسحة من التجريبية أو الخيال أضافت إلى المنهج الواقعي السردي المصري إضافات مختلفة، لكن الديب التزم بالواقعية، بشكل كبير. وتفسيري الوحيد ربما يعود لانخراطه في العمل السياسي، يمينا ويسارا، كما أشار في مذكراته “وقفة قبل المنحدر”، وتأثره بفكرة العمل السياسي في التغيير والتي ربما تكون انسحبت على الأدب بشكل ما.

حين قرأت ثلاثيته في الحقيقة قرأتها قراءة مقارنة مع عدد من الأعمال التي تناولت تجربة الاغتراب، وخصوصا تجارب هجرة المصريين إلى منطقة الخليج التي بدأت في السبعينات من القرن العشرين، وأبرز تلك الأعمال كانت “البلدة الأخرى” لإبراهيم عبدالمجيد، وروايتين أخريين لكل من محمد المنسي قنديل ومحمد عبدالسلام العمري.

كانت تلك الروايات، بعيدا عن المستوى الفني، والبناء تتناول قضية الغربة عن معرفة بمجتمع الخليج نفسه، وأحيانا ببعض عوالمه المسكوت عنها لعوالم المجتمع الخليجي، كما في نص محمد عبدالسلام العمري، أو بالتركيبة النفسية للمغترب المصري في مجتمع الاغتراب.

بينما كانت ثلاثية علاء الديب بالنسبة إليّ تتناول الأثر النفسي لمثقف الستينات من القرن العشرين والذي اضطرته الظروف للعمل في الخليج وأصبح يرى في نفسه مغتربا عن مجتمعه من جهة وعن مجتمع الغربة أو الهجرة معا، لكن من دون إيجاد التفاصيل الفنية التي توضح أسباب ذلك، أقصد من دون توضيح تفاصيل مجتمع الهجرة وكيف يضغط على المهاجر المصري ليتحول قيميا على النحو الذي يصبح عليه.

أحببت الديب ككاتب أيضا، لأسلوبه الخاص، الجمل القصيرة المحملة بالشحنة الأدبية والشجن، خصوصا في روايته الذائعة 'زهر الليمون'

نرى أستاذ الجامعة الذي طلق زوجته وهجر أبناءه وتحول كما يصف نفسه إلى ماكينة لجمع الأموال بطريقة كلاشيهية مستوحاة من الريفي المصري الفقير الذي يتحول إلى الثراء النسبي فيظل جائعا للمال طوال حياته.

كنت أرى أن الديب تجاهل التعريف بتفاصيل علاقات المغترب مع المغترب مثله، أو مع أهل مجتمع الغربة، على عكس رواية “البلدة الأخرى” لإبراهيم عبدالمجيد مثلا، وتجاهل الأثر الرئيس الذي يعد أحد أهم المتغيرات التي أصابت المجتمع المصري منذ السبعينات من القرن الماضي، التي تتمثل في اختراقه وتغيير تكوينه الثقافي والاجتماعي بعد استيراد صراعات السلفية والوهابية على يد بسطاء ونخب المصريين الذين عاشوا في المجتمع السعودي وعادوا لمصر بقيم جديدة مثل الحجاب والنقاب والتدين المظهري المبالغ فيه ومحاولة طمس العديد من الطقوس الاجتماعية المصرية المتوارثة بدعوى أنها حرام.

سلط الديب الضوء في المقابل على الصراع النفسي لمكتئب مغترب، الدكتور منير فكار، أضاع إحساسه بالبساطة وقيم الريف التي نشأ عليها، من جهة، ولم يصبح شيئا ذا بال في الوسط الأكاديمي الذي انتمى إليه في الخليج فأصبح مسخا. وهو في الحقيقة نموذج لعدد كبير من الأكاديميين الذين شوهتهم ليس فقط ظروف الغربة بل وانحدار مستوى التعليم في الجامعات المصرية التي أسهموا في تعميق انهيار مستواها بحيث أصبح التعليم الجامعي تمثيلية رديئة لا تخرج إلا أنصاف متعلمين على أقصى تقدير.

ثم يتابع كيف أثرت هذه التغيرات على الجيل اللاحق عليه من خلال جيل الأبناء الذي نشأ في بيت تخيم عليه الكراهية المتبادلة بين الدكتور فكار وزوجته سناء فرج التي يصفها بالبشاعة وحبّ المال والمادية، ويعتبر اختيارها للزواج أكبر فشل في حياته، ويرى في أبنائه الدليل المستمر على هذا الخطأ الذي لا يد لهم فيه، لكنهم يدفعون ثمنه ويدفع أيضا هو نفسه ثمنا باهظا بسبب حياتهم بعيدا عنه مع الأم بعد انفصاله عنها.

والحقيقة أن علاء الديب في النص كان مشغولا بالتغيرات النفسية للشخصية المصرية وخاصة للمثقفين، وبدا ذلك جليا في كامل النص، وفي الإحساس العام للبطل بالتغيرات التي مرت بها مصر وتغيرت وتشوهت. بتصوير الحنين للريف والقرية باعتبارها المكان الحصين للنقاء الذاتي، والمكان الذي لم يتشوه أهله بنفس القدر الذي أصاب سكان المدينة.

هذه التغيرات أو التشوهات هي أحد أهم ما شغل الديب، وجعلته بعيدا ومنعزلا تماما عن الوسط الأدبي في مصر، حتى أنه ذكر في سيرته مرة أنه لم يمر بتجربة السجن في العمل السياسي، لكنه قرر أن يسجن نفسه في بيته، وهناك يتجمع في بيته أصدقاء مقربون معدودون، وعدد من المريدين والمحبين من شباب الكتاب، ممن يجدون فيه نموذجا ملهما للتعفف عن مشاكل الوسط الأدبي وعن النمائم والتهافت على المكاسب الصغيرة. وينصتون لآرائه في الأدب والثقافة.

في حياته كلها وكما عكسه أدبه يبدو علاء الديب خائفا وناقما على التخلف الذي عاشته مصر لسنوات، وكما يقول في كتابه “وقفة قبل المنحدر” مثلا “ليس التخلّف فقرًا فقط، إنه كائنٌ أخطبوطي ولد في الظلام من الفقر والجهل، وعاش في الغفلة والبلادة، تربى في العجز وضيق الأفق. التخلف بالنسبة إليّ جسدٌ أصارعه في كل لحظةٍ من لحظات وجودي، في بيتي، في عملي، في الشارع في الوجوه، في المشاعر، في مداخل المدن وتحت الكباري، في العلاقات بين الناس، في الحب.. فيما أقرأ وأتناول.. فيما أرضى عنه وفيما أرفضه”.

لكنه في المقابل لم يخضع لليأس، وكان يرى أن مراقبة التخلف، والتغيرات البائسة التي يمر بها المجتمع أدعى للتمسك بالقيم الضائعة. وباستعادة الوطن الذي حلم به ولا يزال يحلم به المخلصين من أمثاله.

كاتب من مصر

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13