علاء الديب قديس الكتاب المصريين

الأحد 2018/01/21
علاء الديب.. الأب الروحي للكتاب المغامرين في مصر

لا أتذكر متى سمعت باسم علاء الديب لأول مرة، لكن المؤكد أنني عرفته وقرأت أعماله قبل التعرف على أعمال شقيقه الأكبر، الروائي والمثقف الموسوعي بدر الديب.

لأسباب عديدة -سياسية واجتماعية وثقافية- توارى بدر الديب كصفحة منسية من صفحات الثقافة المصرية، ووُضِع في خانة “كاتب كُتّاب” لن يستسيغ القارئ العادي إبداعاته بسهولة، فيما استقر علاء الديب في قلب المشهد الثقافي المصري ليس باعتباره نجمًا بالمعنى المبتذل والرائج، فلطالما زهد الروائي الراحل في الأضواء واكتفى بالظل، لكن بوصفه الضمير أو القديس حتى لو لم يسع هو إلى تصنيفات على هذا القدر من الحدية.

أتذكر مثلًا أنه خلال حوار صحافي أجريته مع إبراهيم أصلان في 2010 حكى لي بتقدير ومحبة عن دور علاء الديب في تقديم كتاب جيل الستينات من القرن العشرين والتعريف بأعمالهم.

نبرة الامتنان والاعتراف بالفضل في صوت أصلان أظهرته كأنما يتحدث عن أستاذ للجيل لا عن أحد الكتاب المنتمين له، خاصةً أن صاحب “مالك الحزين” وضعه في خانة واحدة مع اثنين من آباء جيل الستينات هما يحيى حقي وعبدالفتاح الجمل اللذان لعبا دورًا مهمًا في دعم الستينيين بالنشر لهم أو الكتابة عنهم.

“أسميت الجمل أحد أفراد قوى الخير التي كانت موجودة ومعه يحيى حقي وعلاء الديب” قال أصلان قبل أن يخلص إلى أن أمثال هؤلاء “يحفظون لأيّ حياة ثقافية توازنها”.

هذا الرأي لا يخص أصلان وحده، فلطالما نُظِر إلى علاء الديب -كما سبق وذكرت- باعتباره الزاهد أو القديس في حياة ثقافية موسومة بالمجاملات والمصالح، ولطالما اعتبر الأدباء -على اختلاف أجيالهم- أن كتابة علاء الديب عنهم تعميد لهم وصك اعتراف بهم.

هذه المكانة نالها الروائي الراحل عن استحقاق لموضوعيته واهتمامه بتشجيع الأصوات الجديدة التي يراها جديرة بالتشجيع والتقديم بغض النظر عن أيّ اعتبارات أخرى.

يشبه علاء الديب أبطاله إلى درجة كبيرة، ويكفي تأمل عبارته التالية لإدراك هذا “قتلتني.. من يومها وأنا ميت. لم أعش ـبعدهاـ يوما حقيقياً كاملًا”.

الإشارة طبعًا إلى نكسة يونيو 1967. هذه الجملة التي تبدو لأول وهلة غارقة في المبالغة والتهويل، سيراها قارئ علاء الديب ملائمة تمامًا لا لوصف حياته فقط بل حيوات شخصياته الفنية أيضًا.

فهزيمة 67 مثلت نقطة تحول ولحظة انتهت فيها أحلام أبطاله وفسدت حيواتهم إلى الأبد. في كل أعمال الديب تقريبًا تمثُل تلك الهزيمة المدوية كجرح لا يندمل ومرض لا شفاء منه.

عن نفسي، لطالما رأيت في عبدالخالق المسيري وأمين الألفي وغيرهما من أبطال الديب قرناء له وانعكاسًا لوجهه. ولطالما بدا هو لي كموسيقي غير مشغول بكثرة الألحان وتعددها قدر انشغاله بعزف تنويعات على لحن أساسي واحد.

ففي معظم أعماله نقابل البطل نفسه تقريبًا مهما تغيرت أسماؤه. مثقف يساري مهزوم يشعر بالاغتراب عمّا حوله ورافض للانخراط في عالم تحكمه الصراعات والمصالح. عينه ناقدة معرّية للقبح والتناقضات والعيوب.

ثمة أيضًا علاقة زواج محكومة بالفشل وحب قديم يبرق في الذاكرة، لكن الأهم الإشارات المتكررة إلى لحظة محددة فسد فيها كل شيء. لا يقتصر الأمر على النكسة السياسية والعسكرية وحدها بل ثمة نكسات فردية أصغر أيضًا.

ففي “زهر الليمون” مثلًا تبدو لحظة انفجار قنبلة قديمة منسية في جسد الصغير رضا كحد فاصل بين عالمين وزمنين الأول مزهر ملوّن وحميم والثاني قاحل ذبلت فيه “شجرة الليمون وفقدت ما كان فوقها وتحتها من بهجة وحياة”.

أتساءل أحيانًا ماذا لو لم تحدث هزيمة 67؟ أو على الأقل ماذا لو لم يكن لها كل هذا التأثير على شخص علاء الديب وكتابته؟

من الصعب طبعًا الإجابة على تساؤل افتراضي كهذا، لكن قصص الديب القليلة المنشورة قبل 67 تدلنا على تنوع وحيوية أكبر مقارنة بأعماله اللاحقة، لكن تبقى هذه وجهة نظر شخصية كما أنها قد لا تكون ذات دلالة كبيرة حين نلاحظ أن القلق الوجودي نفسه مسيطر في الأعمال الأولى وكذلك الاغتراب والانفصال عن الآخرين، يتجلى هذا بقوة في قصته الطويلة “القاهرة” (صادرة في 1964)، التي سنجد فيها هي الأخرى لحظة مفصلية (وإن بطريقة مختلفة) تتغير فيها حياة البطل جوهريًا عن السابق، وأقصد بها لحظة قتله لعشيقته “هنا انهزم الإنسان. هنا قتل. هنا اعتدى بيديه على الوجود.. هزيمته دليل على أنه بلغ القمة. هنا انكسر وعيه وسقطت عنه الرقابة، واتحد فكره بالعمل.. هنا كف فتحي عن العذاب، وانكسرت قدرته على تحمل حياته”.

نقرأ هذه الفقرة ونقارنها بلحظات مشابهة في أعمال أخرى للكاتب، فنشعر كما لو أن الإنسان، في كتابات علاء الديب، مهزوم سلفًا. هزيمته قدر. جزء من تعريفه كإنسان. لا يحتاج الأمر إذن إلى هزيمة بحجم نكسة 67 كي يشعر أبطال صاحب “وقفة قبل المنحدر” بالخواء والاغتراب والخسران. أو ربما كانت الهزيمة العسكرية مجرد وسيلة لتأكيد ما يستشعره الديب ويؤمن به منذ البداية من أن القدر الإنساني محكوم بالخسران.

كاتبة من مصر

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

اقرأ المزيد:

قاهرة علاء الديب

علاء الديب: القارئ "سجين البيت" راصد تشوهات المثقف المصري

13