علاء بشير الأكثر تشاؤما بين الرسامين العراقيين

الأحد 2014/05/18
علاء بشير ظاهرة استثنائية في تاريخ الرسم الحديث في العراق

شهد منتصف القرن الماضي بروز ظاهرة فنية في العراق أطلق عليها البعض ظاهرة الأطباء الرسامين. فانضم العديد من الأطباء إلى الجماعات الفنية التي كانت وليدة يومها ليمارسوا هوايتهم في الرسم، تحت إشراف رسامين عراقيين قدموا لتوّهم من الغرب وكانوا بمثابة معلمين، سيكون للرسم بسببهم طقوسه النخبوية التي ستثير اهتمام أبناء الطبقة البرجوازية في العراق الذي كان يومها يتقدم بخطى حثيثة في اتجاه بناء دولة معاصرة.

من بين أبرز أولئك الأطباء الذين واظبوا على الرسم يمكننا أن نذكر ثلاثة كانت تجاربهم قد اشتبكت بتاريخ الرسم الحديث هم: نوري مصطفى بهجت، خالد القصاب، قتيبة الشيخ نوري.

وبالرغم من كثافة حضورهم في المشهد الفني وغزارة نتاجهم وتميزه الأسلوبي، غير أن الإشارة إليهم ما كانت لتقع إلا من خلال التذكير بكونهم أطباء اختاروا أن يمارسوا هوايتهم في الرسم على هامش أوقاتهم. ووحده علاء بشير سيكون مختلفا عن الجميع.

فطبيب الجراحة التقويمية الذي انتمى في بداية مسيرته الفنية إلى جماعة الانطباعيين التي كان يتزعمها الرسام الرائد حافظ الدروبي كان رساما محترفا، بكل ما تنطوي عليه تلك الصفة من معان. لذلك فقد كان يشار إليه دائما باعتباره الرسام الطبيب. كما لو أنه كان يمارس الطب على هامش وجوده رساما. لذلك مثل علاء بشير ظاهرة استثنائية في تاريخ الرسم الحديث في العراق، فكان وحده الرسام الطبيب.

قال عنه الكاتب والفنان جبرا إبراهيم جبرا "لقد اجترح بشير معجزة، سيكون علينا أن ننظر إلى النحت العراقي بعدها بطريقة مختلفة"


بين الدرس والمتعة


درس علاء بشير المولود عام 1939 الطب في بغداد ليتخرج عام 1962، بعدها ذهب إلى بريطانيا ليعود عام 1972 متخصصا بالجراحة التقويمية. ولكنه كان قد تسلل إلى جماعة الانطباعيين ليكون عضوا فيها عام 1958. هذا يعني أن بشيرا كان رساما قبل أن يكون طبيبا.

يقول بشير ” كنت أمارس هواية الرسم منذ الطفولة وصارت ممارسة جدية في المرحلة المتوسطة والثانوية قبل أن أذهب إلى كلية الطب” منذ البدء إذن وجد بشير في شغفه بالرسم نوعا من الخلاص الشخصي، أما وقد ذهب إلى دراسة الطب فقد وجد في درس التشريح نافذة يطل من خلالها على جنّات متخيّلة. وهو ما ألهمه الكثير من الصبر في النظر إلى الشكل البشري. بالنسبة إليه لم يكن الحاجز قائما بين الدرس والمتعة. وهو الأمر الذي جعله يحرص في ما بعد على أن يكون لمتعته معنى. وهو ما ميزه عن سواه من الرسامين العراقيين. كانت يده تترك خطوطها على الدفاتر فيما يفكر عقله بخلاص المرضى. كانت تركيبته المزدوجة قد تركت أثرا عقلانيا على كل ما كان يقوم به، محتفظا بعاطفته في مكان بارد. لم يكن هناك سباق لافت بين الرسام والطبيب في شخصيته. ولم يكن حضوره ينطوي على شخصية مزدوجة. غالبا ما كنتُ أنسى الطبيب حين لقائي به.
علاء بشير
الدكتور علاء حسين بشير الجبوري، من قضاء طويريج بمحافظة كربلاء بالعراق، هو الابن الوحيد لعائلته مع ابنتين، والده ضابط شرطة سابق، عمل مديرا لشرطة مدينة الكاظمية في بغداد، ولد في العام 1939 في العراق. وكان عضواً في جماعة الانطباعيين العراقيين وعضو جمعية التشكيليين العراقيين منذ العام 1958. عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ العام 1972. عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية. عضو جمعية الاطباء العراقيين.

تخرج من كلية الطب ـ جامعة بغداد في العام 1963، و حصل على شهادة الاختصاص بالجراحة التقويمية - التجميلية في العام 1970 من بريطانيا.

بدأ علاء بشير حياته الفنية الاولى برسم اللوحات الانطباعية في خمسينات القرن العشرين ثم تغيّر أسلوبه الفنّي تدريجياً في نهاية الستينات لينخرط في السريالية (فوق الواقعية). يستخدم القماش و الألوان الزيتية كأدوات للرسم، وقد استعار من الطبيعة رمز الغراب في معظم أعماله.

ومع بداية التسعينات اتجه نحو النحت على طين الفخار، مستعملاً التفاصيل التشريحية لجسم الانسان، في الرأس او في الوجه او اليد، له نحت اللقاء (النصب) بكتلتين حَجَريّتين مستطيلتين، مع انحناءات تُوحي بالعناق الحميم و هو ما يُمثِّل عِناق امرأة و رَجُل. في شباط من سنة 2010 تم تهديم نصب اللقاء بعد اصدار ديوان الرئاسة العراقية قانونا بتهديم النُصُب و التماثيل ذات الطابع السياسي المُشيّدة قبل احتلال العراق في العام 2003.

من الاعمال النحتية الشهيرة لعلاء بشير تمثال (الصرخة)، و هو يُمثّل حادثة ملجأ العامرية اثناء حرب الخليج الثانية في شباط من العام 1991. حيث تعرّض ذلك الملجأ للقصف والتدمير من قبل القوات العسكرية الامريكية مما اودى بحياة جميع المدنيين العراقيين اللاجئين في داخله.

من المعارض التي شارك بها قبل احتلال العراق

1980 معرض شخصي على قاعة الرواق - بغداد.

1980 معرض بغداد الدولي للملصقات في لندن.

1981 معرض مشترك مع الفنان محمد مهر الدين.

1982 معرض بغداد الدولي للملصقات في باريس.

1984 معرض شخصي على قاعة الرواق - بغداد.

1986 معرض بغداد الدولي الاول - بغداد.

1988 معرض بغداد الدولي الثاني - بغداد.

1987 كان سور مير - فرنسا.

1992 (افكار من تراب) - معرض شخصي للنحت عى طين الفخار في مركز الفنون التشكيلية - بغداد.

1994 (حوار اليقظة) - معرض شخصي للوحات الزيتية - بغداد.

1995 (محنة الإنسان) - معرض شخصي للوحات الزيتية - بغداد.

1997 (ظلال الحقيقة) - معرض شخصي للوحات الزيتية - بغداد.

كان علاء بشير الرسام الملهم يجلس وحده أمامي. ولا أبالغ في القول إنني في المرات القليلة التي التقيته فيها في المستشفى التي أسسها بنفسه وأطلق عليها اسم (الواسطي) وهو الرسام العراقي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي لم أر الطبيب الذي كان قد غادر غرفة العمليات قبل لحظات.

فعلاء بشير هو نموذج نادر في الفصل بين شخصيتيه الضروريتين.


بركة يده


برز علاء بشير في مجال الطب حين نجح في إعادة الأطراف المبتورة إلى مكانها منذ بداية ثمانينات القرن العشرين. ذاع صيته بعد أن أجرى عملية جراحية أعاد فيها يداً مقطوعة، بآلة حادة، في سنة 1983 في مستشفى الطوارئ ببغداد.

كانت خبرته قد ساعدت الكثير من ضحايا الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي ممن تعرضوا للحروق والتشوهات. كان الرجل نزيها في دقته إلى درجة صار الكثيرون يشعرون بالاطمئنان بمجرد ذكر اسمه. وإذا ما طغى على شهرته كونه الطبيب العراقي الأكثر مهارة في تعديل أشكال الأنوف النسائية ليضفي عليها نوعا من الجمال الإغريقي فإن علاء بشير كان قد أعاد الكثير من الوجوه والأجساد إلى سابق عهدها بعد أن تعرضت للتشويه. رجل تحل بيده البركة، وهو الممتلئ بيقين عدمي خلاصته أن “البشرية تعادي جمالها".

رسوم كابوسية

"ربما يكون بحثي في الفن غير مجد، غير أنه بحث في جوهر الأشياء. جوهر الوجود. كان الطب قد دفعني إلى النظر إلى الإنسان من جهة تكوينه الفيزيائي، وهو ما دفعني إلى تأمل جسم الإنسان بانبهار عميق بعملية الخلق. وهو ما جعلني أفكر بسبب ذلك الخلق. الإنسان هو معجزة الحقيقة” يقول بشير وهو يسعى إلى أن يفسر كيف كان الطبيب قد خدم الرسام. غير أنه يتحاشى في المقابل أن يتحدث عن الخدمة التي قدمها الرسام للطبيب. ألم يكن الطبيب يرسم أنوفا؟ ربما يقع هذا السؤال خارج العلم. ما كان مميزا في رسوم بشير التي توصف دائما بالكابوسية أنها كانت تقيم في ذاكرة وخيال من يراها إلى أمد بعيد.

لا يحتاج المرء إلى العودة إليها فهي تقيم في ذاكرته البصرية. كانت غربانه قد تحولت إلى رموز ثقافية، في مرحلة كان العراق فيها مضطرا إلى أن يخلي ساحته لرمز سياسي وحيد، كان علاء بشير بالصدفة واحدا من أطبائه. (كنت طبيبا لصدام) كان هو عنوان كتاب بشير الذي صدر بالنرويجية والعربية في الوقت نفسه، بعدهما ترجم إلى لغات كثيرة. كانت الحياة بالنسبة إلى بشير مجموعة من الوقائع السريالية، التي لا يمكن توقع حدوثها مجتمعة. وقد تكون الواقعة التي جمعته بالرئيس العراقي واحدة من أهم تلك الوقائع التي غيرت حياته. لقد رأى الكثيرون في لجوء بشير إلى تأليف كتابه المذكور نوعا من الخيانة. ولكنه قد يكون نوعا من البحث عن المعنى. مَن يعرف بشير جيدا لا بد أن يدرك أن ولعه العميق بالمعاني غالبا ما يدفعه إلى الاعتراف بأخطائه.

هل كان بشير مضطرا إلى تأليف ذلك الكتاب أم كان في إمكانه أن يتفاداه؟ ربما كان ذلك الكتاب تعبيرا ضروريا عن ضجر الذات المفاجئ، مثلما فاجأنا عام 1992 بمنحوتاته التي صنعت منه نحاتا ضروريا.
تركيبة علاء بشير المزدوجة تركت أثرا عقلانيا على كل ما كان يقوم به، محتفظا بعاطفته في مكان بارد. لم يكن هناك سباق لافت بين الرسام والطبيب في شخصيته. ولم يكن حضوره ينطوي على شخصية مزدوجة


نحت لا يذكر بسواه


في ذلك العام أقام علاء بشير في بغداد معرضا نحتيا بعنوان (أفكار من تراب)، كان موضوعه الإنسان المحاصر. وقد جاء ذلك المعرض متناغما مع الوضع المأساوي الذي صار يعيشه العراقيون وهم يواجهون حصارا اقتصاديا دوليا ما كانوا يتخيلون أنه سيستمر ثلاثة عشر عاما ستفضي بهم إلى الاحتلال. يومها لم يحاور بشير رسومه، وهو ما فاجأ الجميع. كان نحاتا خالصا. كان لديه ما يقوله نحتا عن قيامة الإنسان محاصرا. ولقد خلص بشير في مجمل بحوثه الوجودية إلى نتيجة متشائمة. سيكون الإنسان وحيدا في مواجهة مصيره الاستثنائي. موعظة بشير كانت واضحة في ذلك المعرض. لقد قال جبرا إبراهيم جبرا يومها “لقد اجترح بشير معجزة، سيكون علينا أن ننظر إلى النحت العراقي بعدها بطريقة مختلفة” هناك نحت عراقي ما قبل بشير وهناك نحت عراقي ما بعده. كان ذلك المعرض من وجهة نظر جبرا فاصلة بين عصرين. فما فعله بشير في ذلك المعرض كان يستحق كل ذلك التقريض. فالفنان الذي انتقل من غير أي تمهيد مسبق من عالم الرسم إلى عالم النحت كان قد قدم أعمالا تستحق أن تُرى باعتبارها أعمالا نحتية من طراز خاص.

صحيح أن علاء بشير كان مخلصا لأفكاره رساما، غير أن تقنياته في النحت كانت قد قدمته نحاتا مبرّزا. ويبقى علاء بشير في كل ما فعله شخصية إشكالية لن يتمكن أثرها القائم من التنبؤ بما ينطوي عليه مستقبلها.

9