علاء خالد يبحث عن صورة مصر في الريف الألماني

الأديب المصري علاء خالد استطاع أن يستعيد الثورة المصرية عبر مقالات حاوية لحكايات إنسانية، وعن الجموع التي تمنح الأمان لأي عزلة.
السبت 2018/04/14
"أشباح بيت هاينريش بل" مساءلة روائية للثورة

طرحت الثورة المصرية على مستوى الكتابة الإبداعية نوعا من التحدي. فسعى الكثير من الكُتَّاب لاستثمار أحداث الثورة في رواياتهم، وقد جاء في الكثير منها أشبه بالتسجيل ليوميات الثورة وأحداثها وهو ما جعل الرواية لا تختلف عن التقارير الصّحافية أو كتابة اليوميات، في حين تماست بعض الأعمال الأخرى مع الجوانب الإنسانية التي أفرزتها الثورة محاولة مساءلتها.

حاولت بعض الأعمال الأدبية التي كتبت عن الثورة المصرية مساءلة ومحاورة الحراك الذي شهدته البلاد، لفهم ما حدث ولماذا انتهى المآل إلى هذه النهاية على عكس ما طمح به مَن آمن بها. من الروايات التي توقفت عند هذه الجوانب تأتي رواية علاء خالد “أشباح بيت هاينريش بُل” الصادرة عن دار الشروق المصرية 2018.

الثورة والبعث

يمكننا القول إن رواية علاء خالد “أشباح بيت هاينريش بل” تأتي عبر خطين متوازيين؛ الأوّل يرصد فيه الكاتب رحلة الراوي/ الأنا إلى ألمانيا، بعد فوزه بمنحة كتابة في بيت الكتاب الألماني الشهير الحاصل على جائزة نوبل هاينريش بُل أو بُل هاوس، الذي شهد كتابة روايته، لمدة أربعة أشهر ضمن برامج الإقامة الأدبيّة مع مجموعة من الكُتّاب المضطهدين من كل أنحاء العالم؛ أربعة كُتَّاب هم ضحايا أنظمة سياسية شمولية. ومع بُعد المكان وسكونه حيث يقع النُزل في إحدى القرى الألمانية المعزولة لانجنبوريخ، إلا أن “أصوات الثورة وهتافاتها” تدوّيان في أذنه حيث مكان إقامته.

صراع بين الثورة والذاكرة (لوحة للفنان عبيدة فايد)
صراع بين الثورة والذاكرة (لوحة للفنان عبيدة فايد)

أما الخط الثاني فيمثّل مسيرة ثورة 25 يناير وتعثراتها وإن كانت مروية من وجهة نظر علاقة الراوي ورحلته معها متنقلا بين الإسكندرية والقاهرة، وما أحلّته الثورة من تغيرات على مستوى الفرد والجماعة، كذلك ما أحدثته من خلق لطاقة جديدة خاصة، فحقّ وصفها بأنّها “طاقة الكهرباء المجنونة” كما جاء في عنوان العمود الصّحافي الذي أرسله الراوي إلى صديقه ناصر.

 على مستوى الخيط الأوّل يأخذنا الراوي في جولة بالمكان وجمال ما يحيط به من مناظر خضراء خلّابة حتى غدت القرية “جنّة موسميّة تعرض فاكهة الموسم للناظرين”، ويستعرض أيضا المباني الأثرية فيها وبعض سكّانها الفضوليين، كما يسرد لنا في سرد أشبه باليوميات وقائع ما يحدث، ولقاءاته ببعض الكُتّاب الذين يقطنون في المكان مثل ألجريد الذي ينتمي إلى بيلاروسيا ويكره دكتاتورية لوكاشينكا القمعية، وذكرياته عن زوجته التي جثا أمام قدميها حاملا باقة ورد طالبا منها الزواج، قائلا “لا أملك شيئا في هذا العالم سوى الكتابة” فقبلته.

وكذلك جيرمان وطفولته القاسية في الشيشان وعمله هو وأخته في إحدى المزارع الجماعية التابعة للنظام الشيوعي، وأحلامه العريضة بأنه سيغير العالم يوما ما. وهناك زوفنكو الشاعر الصربي الناقم على تقسيم صربيا والعائش على بقايا ثورة، ثمّ في مرحلة لاحقة الصيني يي كاي، الذي حلّ بديلا لزوفنكو وأخذ الأستديو الخاص به. كان في منتصف الأربعينات من العمر، وهو متزوج وله ابنة واحدة. كان هو الآخر قادما من دولة بوليسية، حتى أنه خرج في مظاهرات 1989 عندما اعتصم المحتجون في الميدان السماوي ضد الحكم الدكتاتوري طلبا للمزيد من الحريات، جاء إلى هذه القرية الألمانية وهو يحمل معه هزيمة لحلمه.

وقد كشفت الحوارات الليلية بين الكتاب الأربعة عن الجوانب الإنسانية في حياتهم، والحب الجارف وكذلك عن الحياة الصعبة التي عاشها البعض قبل تحقق الأحلام، وعلاقاتهم بأسرهم وعقولهم المفتوحة كما في علاقة زوفنكو مع ابنته والراوي نفسه وأحاديثه المتواصلة مع زوجته عبر السكايب.

أما الجولات النهارية والتسويقية خلال أيام الأسبوع فكانت مادة معرفية للتعرف على الأجواء والملابسات السياسية في بلدان هؤلاء الأصدقاء رفقاء بيت هاينريش بُل، وكانت أيضا حافزا لاستعادة الكتابات الأولى وإضماراتها التي يقصدها المؤلف على نحو ما فتح النقاش حول كتاب “أنا شيشاني” لجيرمان أو ما حكاه زوفنكو عن التحولات العنيفة في صربيا عام 1990.

 تتوقف الرواية عند شخصية هاينريش بُل، وإن كانت تستعيد أجزاء من حياته الشخصية وأبنائه، وأفكاره مثل رفضه للمسيح والكنيسة والحرب، والتقاليد البالية، وكذلك الفترة الأخيرة من حياته. تأتي هذه السيرة عبر علاقة جيرانه به، ومن ثمّ تكشف الرواية في ما تكشف مواقف الإنسان العادي من الكاتب، على نحو ما أظهرت الجارة العجوز التي تسكن في فيلا بجوار نزل هاينريش هي وابنها.

الثورة وإنتاج الموت

رواية تأتي عبر خطين متوازيين
رواية تأتي عبر خطين متوازيين

استطاع الراوي أن يستعيد الثورة المصرية المجهضة عبر المقالات الأسبوعية، فجاءت المقالات حاوية لحكايات إنسانية عن الثورة، وعن الجموع التي تمنح الأمان لأي عزلة.

 كانت رؤية الراوي وهو ينسج هذه المقالات عن الثورة متعقلة ومتزنة، فتارة يصفها بأنها كانت أشبه بـ”طاقة الكهرباء المجنونة”، وتارة ثانية يصفها بأنها لم تصنع الزمن الجذري الواحد فلقد صبغت الحياة اليومية للثورة، حيث غطّت الثورة الفراغات والفجوات الزمنية والشعورية. وكأن هناك صراعا بين الثورة والذاكرة.

 حضور الثورة المصرية يتأتى عبر مشاهد عدة منها شريط تسجيل الأحداث الذي تمّ تصويره في ميدان التحرير، وفي الإسكندرية، وأيضا عبر تأثيراتها التي أحدثتها على مستوى الفرد ممثلا في شخصية الكاتب، وهو ما يسجله في مقالاته، فالثورة “باعدت بينه وبين خط النهاية” الذي كان يشعر باقترابه الوشيك، كما كانت فرصة لتأمّل الذات في مسيرتها، فالراوي يراجع ذاته إذ حسب قوله “أنتمي لجيل وسط تاريخي، جيل همزة الوصل بين القديم والحديث”.

كما خلقت الثورة إحساسا آخر بهذه الذات، فقد كان في أثناء المظاهرات “خفيفا حتى أنه لا يعرف إلى أي جيل ينتمي”. كما تحضر الثورة مقارنة بثورات أخرى وتجارب أصدقائه الذين مروا بها؛ فالثورة “ليست إلا عرضا من أعراض هذا التناقض الأبدي، عرضا من أعراض الوجود، وليس أصله”.

 وفي هذه الاستطرادات الكثيرة عن الثورة والثورات الأخرى في العالم، كان المؤلف مشغولا بالبحث عن صورة مصر في بلاد الآخرين، صورة الثورة الفاشلة وأسباب هذا الفشل، أسباب الحسّ الأخلاقي المنتشر في مصر والزاجر، وهي صورة كان الحكم الشمولي في الاتحاد السوفييتي قد أورثها في النفوس حيث الحس الأخلاقي والتزمت الموجودان في مصر.

تقع الرواية على دائرة كتابة الذات، حيث تتماس حدودها مع اليوميات التي يسجلها الكاتب أثناء إقامته في بيت هاينريش بُل مع أصدقائه الكُتّاب، ويميل السرد في الكثير منه إلى الوصف. كما تحتل المقالات جانبا مهمّا داخل المتن الروائي، وإن كانت مكتوبة ببنط وخط مميزين، إلا أن هذا لا يفصلها عن سياق النص، فجاءت هذه المقالات أشبه بحالات بوح عن الثورة اقتربت من الحوار معها ومساءلتها، واستكشاف مواطن الجمال والقوة التي أظهرت الروح الجماعية للشعب الذي تماهت فيه الأنا مع الجموع.

15