علاء عبدالفتاح ناشط سياسي على أجندة تائهة

السبت 2015/03/07
إسقاط الإخوان مثّل بابا جديدا لحضور علاء عبدالفتاح في المشهد السياسي

دُعيت لواحدة من الجلسات التي عقدها ثوار قدامى وجدد تحت عنوان “وحدة اليسار”، وكانت ثورة 25 يناير لم تزل في الميدان، حيث روى اليساري والمناضل كمال خليل حكاية عن سؤال وجهه إليه أحد ضباط أمن الدولة أثناء حبسه لثلاثة أيام في بداية الثورة، قائلا له: كنتم جيل السبعينات تعكفون الليالي على قراءة ماركس وإنغلز ثم تخرجون علينا بشعار “يسقط النظام”.

أما هؤلاء الشباب، ويقصد شباب الثورة، فليس لهم علاقة بهذا التراث، فقط يجلسون إلى فيسبوك، ويخرجون علينا بالشعار نفسه، ففي أي خانة تصنفهم؟ كان رد خليل أنه لا يصنفهم في أيّ خانة، فأجابه الضابط بأن جهاز الأمن يضعهم في صفوف اليسار.

ورغم عدم دقة التصنيف بالمعني المنهجي، إلا أنه كان يعكس جانبا من الحقيقة الضالة، أو بالأحرى، الحقيقة التي لم تجد طريقها إلى الصواب ومن ثمة التحقق، حيث كان شباب الثورة يلتف ببراءة وطوباوية، حول عدد من المطالب التي كانت تؤكد الأشواق العامة لعدد من القيم الكبرى، وعلى رأسها العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، الأمر الذي كان يراه واحدا مثل محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية المصري السابق، شكلا من أشكال الاشتراكية الديمقراطية فى أرقى وأحدث صورها، غير أن المآلات والنتائج التي انتهت إليها مواقع شباب الثورة في المنتج السياسي الأخير لم تكن على ذات الدرجة من النقاء، العكس ربما هو الصحيح.


الأسئلة الحرجة


ما الذي حدث؟ وكيف يمكننا في هذا السياق أن نقرأ المدلول السياسي للحكم الصادر ضد الناشط السياسي علاء عبدالفتاح بالحبس خمس سنوات أخيرا بسبب اختراق قانون تنظيم التظاهر، في قضية من قضايا التعبير.

فهل نجحت الثورة فعلا؟ وهل كان شبابها يملك تصورا للمستقبل تم إجهاضه تحت سنابك السلطة؟ أم أن غياب الرشد السياسي لثورة فقدت ظهيرها مبكرا كان تربة ملائمة لهزيمة ثوارها؟

بالقدر الذي تبدو فيه تلك الأسئلة معلقة، تبدو كذلك مقولات علاء عبدالفتاح المدون والناشط الذي فقد حريته بصور مختلفة وفي أزمنة سياسية متباينة، حيث لا يمكننا أن نعثر على خطاب سياسي لعلاء أو رفاقه، حتى نتوقف أمامه لمناقشته أو الدفع في طريق تطويره، والنقاش حول أبعاده وتجذراته في الواقع السياسي والاجتماعي، اللهم إلا مجموعة من الشعارات التظاهراتية، التي كانت تحض على هدم مؤسسات الدولة، لا سيما المؤسسة العسكرية التي تتمتع بعلاقات خاصة وتاريخية مع المصريين، وهي صورة انتهت إلى فقدان شباب الثورة الكثير من زخم حضورهم.

شباب الثورة يلتف والتف سابقا ببراءة وطوباوية حول عدد من المطالب التي كانت تؤكد الأشواق العامة لعدد من القيم الكبرى

لم يكن غياب الخطاب السياسي المتماسك لدى عبدالفتاح ورفاقه دليلا على سوء الفهم لثورة تمّ الاحتفاء بغياب قائد لها، بل كان سوء الفهم يتمثل أيضا في رفض مسرف في مبالغته للواقع في جملته دون أن يطرح شباب الثورة بدائل ممكنة لواقع مأزوم على مدار أكثر من أربعين عاما، فبدا خطابهم السياسي أجوف لحد الخواء، من ثمة تآكلت مصداقية رفاق الثورة في الشارع الذي تحرك تحت شعاراتهم في البداية، وظل مؤمنا بهم لزمن ليس قصيرا من عمر الثورة.


الحرية لعلاء


كان الفشل مآلا متوقعا، فدفع رفاق الثورة أثمانا متفاوتة، حيث دفع الناشط ومبرمج الكمبيوتر علاء عبدالفتاح ثمنا باهظا منذ عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك، ففي العام 2006، وأثناء وقفة احتجاجية سلمية من أجل استقلال القضاء المصري، اعتقل الشاب علاء مع 10 آخرين من المدونين ونشطاء الديمقراطية، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات داخل وخارج مصر، وأسس رفقاؤه مدونة جديدة حملت وقتها عنوان “الحرية لعلاء” خصصت للمطالبة بإطلاق سراحه، وقد أطلقت السلطة سراحه بعد مرور شهر ونصف الشهر من حبسه.

في الثلاثين من أكتوبر عام 2011 عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير بثمانية أشهر تقريبا، قررت النيابة العسكرية حبس علاء على ذمة التحقيق لمدة 15 يوماً، على خلفية اتهامه بالتحريض والاشتراك في التعدي على عناصر من القوات المسلحة وإتلاف معدات مملوكة للمؤسسة العسكرية، والتظاهر والتجمهر وتكدير الأمن والسلم العام في الأحداث التي أطلق عليها أحداث “ماسبيرو”، وهي واقعة راح بسببها ما يقرب من خمسة عشرين ضحية، جميعهم تقريبا من الأقباط، بعضهم دهسته مدرعات الجيش، والغالبية قتلوا بأسلحة بيضاء ورصاصات مختلفة.

تفاقمت مشكلة علاء عبدالفتاح في تلك الواقعة، عندما أصر على رفض الاعتراف بشرعية المحاكمة العسكرية له كمواطن مدني، ومن ثمة رفض الإجابة على كافة الأسئلة التي وجهتها له النيابة العسكرية، فأحيل إثر ذلك إلى نيابة أمن الدولة العليا، التي أفرجت عنه بعد مرور ما يقرب من الشهرين على حبسه.

في الثلاثين من أكتوبر عام 2011 عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير بثمانية أشهر تقريبا، قررت النيابة العسكرية حبس علاء على ذمة التحقيق لمدة 15 يوماً

في شهر نوفمبر 2013 اعتقل علاء بتهمة التحريض على التظاهر ضد الدستور الجديد أمام مجلس الشورى، ثم تم الإفراج عنه على ذمة القضية، كذلك تم القبض عليه لخروجه عن قانون تنظيم التظاهر الذي رفضه الثوار مطلقين تصريحات شديدة الخطر رددها علاء عبدالفتاح نفسه مع زملائه أحمد دومة وأحمد ماهر من قبيل “حتمية كسر إرادة الدولة”.

وسط كل هذا الحراك المضطرب والمضطرم ثمة عشرات الأسئلة لم تزل معلقة على بوابات الثورة، فما معنى أن يكون المحكوم علاء عبدالفتاح أحد وجوه ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو، وكان على مدار السنوات الأربع الماضية، واحدا من أبرز الحاضرين في مشاهد سياسية، معظمها مناهض للسلطة أيّا كان محتواها وأيّا كان طرحها السياسي

والمجتمعي، كما كان شريكا في كل الفعاليات التي أطلقها شباب الثورة ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عقب عدة أشهر من تكليفه بإدارة شؤون مصر، بعد خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك.


بين شفيق ومرسي


ربما كان العداء للجيش أحد أسباب تحوله الكبير، ككثير من رفاقه، الذين تحولوا إثر تلك القناعة، إلى مؤيدين وداعمين لترشح الإخواني محمد مرسي رئيسا لمصر تحت شعارات تلتمس رئاسة مدنية خلاصا مما أسموه حكم “العسكر”، وهو المسمى الذي تطور بعد ثورة الثلاثين من يونيو ليطلق عليه حكم “البيادة” في إشارة إلى حكم الجيش.

فقد رأى الثوار وقتها، وبينهم علاء عبدالفتاح، أن دعم مرشح النظام القديم الفريق أحمد شفيق في مضمونه، تعزيز للنظام الذي أزاحته الثورة، كذلك تعزيز لسلطة الجيش، باعتبار أن الفريق شفيق أحد أبناء المؤسسة العسكرية، هذا رغم أن الحقائق أكدت فيما بعد أن الرئيس المعزول محمد مرسي لم يكن المرشح المدني المأمول، كما لم يكن الجيش على وفاق مع الفريق شفيق.

عقب شهور قليلة من حكم الإخوان تحول موقف علاء عبد الفتاح مع رفاقه من تأييد الإخوان المسلمين إلي معاداتهم، والعمل على إسقاطهم، حيث كان ذلك بابا جديدا للحضور الواسع في المشهد السياسي المضطرب، الذي انتهي بإسقاط الإخوان المسلمين بقوة الدفع الجماهيري الغفير والكاسح، الذي أفرز قيادات جديدة تجاوزت حماقات ثوار الثورة الأولى، وكان في مقدمة نجوم المشهد الجديد شباب حركة تمرد وعلى رأسهم الشاب محمود بدر.

عقب شهور قليلة من حكم الإخوان تحول موقف علاء عبد الفتاح مع رفاقه من تأييد الإخوان المسلمين إلي معاداتهم، والعمل على إسقاطهم

كان التفسير الأقرب لقلب وعقل العامة أن نجاح الثلاثين من يونيو يعني بالضرورة فشل ثورتهم الأولى، ومن ثمة انسحاب وتواري شبابها وخروجهم من المشهد السياسي لفترة ليست قليلة، وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت علاء ورفاقه إلى إعلان حرب سياسية وإعلامية على شباب حركة تمرد، تحت دعاوى ارتمائها في أحضان الدولة، ومن ثمة إجهاض الثورة، وقد استمر الصراع ولا يزال، وإن كانت يد الدولة باتت الأعلى بعد تبلور تجلياتها بأكثر من معنى لأول مرة منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير.


الميراث الباهظ


أظن أن إشكالية خطاب علاء عبدالفتاح ورفاقه أتت من خضوعهم لنمط متواتر وثابت يعتمد الشائع فى القراءة التحليلية لطليعة شبه ثورية هي في حقيقتها جزء لا يتجزأ من البرجوازية التي ارتبطت بأجندات أجنبية، بحسن وبسوء قصد، وهي مجموعات ذهبت ضحية جهلها بتاريخها، حيث كان ثمة إصرار على اختصار الميراث المصري الباهظ من القمع الذي يتمثل في تركة الدولة الشمولية، كنموذج استغرق عشرات السنين، في لحظة عمرها شهور قليلة استغرقتها ثورة الخامس والعشرين من يناير.

تحت تأثير التسرع والمثالية اندفع شباب الثورة، وفي مقدمتهم علاء عبدالفتاح إلى فتح كل الملفات الفئوية والعقائدية والاقتصادية والسياسية، في الوقت الذي لم تطرح فيه تلك القوى بدائل يمكنها أن تحوز إجماعا وطنيا مقبولا في حده الأدنى، بل غلب على كافة الأطروحات تكريس لتوجهات سياسية، عكست انشغالات ذات صفات جهوية أحيانا وفئوية في معظم الأحايين، وهو ما أفقدها حدسها الوطني الجامع ومن ثمة زخمها الشعبي.

من ناحية أخرى بدا تعاطي شباب الثورة مع الخطاب الأوروأميركي غير مفهوم وغير محدد الملامح، لا سيما أن حالة من الارتياب تجاه الأقليات بدت مكرسة بصورة غير مسبوقة في السكوت الأميركي على انتهاكات واسعة ضد الأقباط، بالإضافة إلى ما كشفت عنه الاضطرابات اليومية والتدخلات الخارجية في تعزيز فضاء المؤامرة لدى عامة الشعب.


أسرة ثورية


وقد تعزز هذا المناخ السلبي ضد شباب الثورة، في ظل غياب الحس الوطني الجامع لدى القطاع الأعظم من القوى السياسية الطافية علي سطح المشهد، وكانت القوى الثورية التي ينتمي إليها علاء عبدالفتاح في مقدمة القوى المتهمة بتكريس هذا المناخ، المكلل بتأييد صارخ من والدته الأكاديمية ليلى سويف التي لم تتوان لحظة عن دعم ابنها علاء، وبنتيها منى وسناء، وزوجها الراحل سيف الإسلام عبدالفتاح، وجميعهم كانوا ضيوفا، ولازالوا، شبه دائمين على السجون المصرية، وفي عهود سياسية مختلفة.

علاء ورفاقه طرحوا أسئلة كثيرة، مثل كيف تآكلت خطابات الثورة؟ وكيف انتهى الثوار إلى غياهب السجون؟ ولماذا اضطرت الدولة للعودة إلى وظائفها غير الثورية؟

أمام هذا الترهل والانقسام بدت المساءلة السياسية العسيرة التي تعرض لها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إبان حكمه البلاد مع الثورة الأولى، تنتهي إلى تجدد شرعية الجيش في الشارع المصري ليخرج من كانوا يهتفون ضده إلى المطالبة بعودته في الثلاثين من يونيو.

هذا ربما يؤكد أن أطراف اللعبة السياسية بعد الثورة الأولى، فضلا عن كونهم مارسوا انتهازية تدنت وسائلها وأدواتها يوما إثر يوم، فقد أدركوا أيضا أنهم خرجوا من معطف الجماهير إلى معطف المصالح والتراشقات، فكان البديل معاداة السلطة، أيّ سلطة، بغرض البقاء في المشهد مهما كانت الأثمان.

في هذا السياق، لم يكن الناشط علاء عبدالفتاح، ابن الرابعة والثلاثين عاما، والمولود لأب ظل حتى آخر نفس في حياته مدافعا عن حقوق البسطاء، سوى ضحية لغوغائية سياسية فقدت حيويتها لأنها لم تدرك المسافة العاقلة بين الثورة والدولة، فكان المصير الذي خسرت به الثورة، ولا شك، الكثير من حيويتها، حيث لم يعد شباب شبابها مسؤولا فحسب عن مصير لم يكن جيدا بالنسبة إليهم، بل يظل مسؤولا كذلك عن عدم استكمال الثورة لأهدافها، قبل أن تعود الدولة مكرهة إلى مفاهيمها وأدواتها التقليدية المرشحة، لأن تكون أكثر قمعا.

13