علاج الإدمان الرقمي بادرة أمل ليتخلص الجزائريون من السحر الأزرق

من سأل نفسه يوما هل كان مدمنا على مواقع التواصل الاجتماعي؟ لا أحد يستطيع أن يجابه الحقيقة في حين أنه يقضي ساعات طويلة بين الفيسبوك والتويتر والإنستغرام وغيرها من المواقع، بل أغلب الشباب العربي وحتى الكهول يتناسون واجباتهم في العمل أو الدراسة من أجل أن يظلوا موصولين بالإنترنت وذلك ليس بغاية البحث والمعرفة، بل من أجل التسلية في الفضاء الأزرق ومتابعة ما ينشره الآخرون. ومن اقتنع بأنه مدمن رقمي فهل سيتجرأ على الذهاب إلى العلاج.
الأربعاء 2017/04/26
مخدرات العصر تبدأ بالتسلية وتنتهي بالإدمان

قسنطينة (الجزائر) - يعالج مركز بقسنطينة في شرق الجزائر مدمني الإنترنت الذين يرتفع عددهم أمام صعوبة التحكم في الفضاء الافتراضي، إذ حولت الشبكة العنكبوتية وخاصة الفضاء الأزرق “الفيسبوك” حياتهم جحيما.

يستذكر فيصل طبيب الأشعة في شرق الجزائر “إدمانه وسقوطه في غياهب” العالم الافتراضي مؤكدا أن “الإنترنت، شبكة تشل حركتك إن لم تكن حذرا”.

ويعالج فيصل وهذا ليس اسمه الحقيقي، من أجل الإقلاع عن الإنترنت في مركز علاج من الإدمان في قسنطينة الواقعة على بعد 450 كيلومترا شرق الجزائر.

مظاهر اضطراب كبير تبدو على المدمن بمجرد عدم تمكنه من الاتصال بالإنترنت، واستعمال وسائل التواصل لأكثر من 38 ساعة في الأسبوع خارج إطار العمل، يعد إدمانا

ويروي فيصل (48 سنة) بحسرة كبيرة قصته مع “مخدر العصور الحديثة الذي أفقر عائلته”.

في هذا المركز المفتوح منذ العام 2012 لمعالجة إدمان المخدرات والكحول والتدخين، يعالج مرضى تتراوح أعمارهم بين 13 سنة و63 منذ العام الماضي من إدمان الإنترنت وفيسبوك وإنستغرام وتويتر، لمساعدتهم على العودة إلى الحياة العادية.

يتواجد بالجزائر نحو 20 مليون خط للإنترنت الجوال بتقنية الجيل الثالث، يضاف إليها أكثر من مليوني خط للإنترنت الثابت المملوك للمشغل الحكومي “اتصالات الجزائر”. كما تم إحصاء 15 مليون حساب على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك بالبلاد، إلى غاية يونيو 2016، حسب إحصاءات نشرها موقع “إنترنيت وورلد ستاتس”، المتخصص في تتبع مستخدمي هذه الشبكة بالعالم، ما يمثل 37 بالمئة من العدد الإجمالي للسكان، البالغ حوالي 40 مليون نسمة.

اشترى فيصل، المتزوج والأب لطفلين، هاتفا ذكيا متطورا في نهاية العقد الأول من الألفية، وراح هذا الرجل شيئا فشيئا ينقطع عن عائلته ويعجز عن القيام بعمله بسبب التعب المستمر.

ويوضح قائلا “في البداية كنت أخفي عن زوجتي أني أذهب إلى مقهى الإنترنت بين الساعة الرابعة والثامنة مساء، ثم أعود إلى البيت وأغلق الباب على نفسي في غرفتي إلى الخامسة صباحا. لم أعد قادرا على فحص المرضى”.

ويضيف “كنت أعاني من آلام في الرأس فيما تراجع بصري” كما فقد الشهية للطعام ولم تعد له أي مشاركات في الحياة الاجتماعية.

ويؤكد “كنت أحتاج إلى شاشة أمامي. كنت متصلا بالإنترنت لمدة 9 ساعات في اليوم. كان ذلك مخدرا ولم يكن باستطاعتي التخلص منه وحدي فقد كنت أعيش في بعد آخر”.

وحدث التحول معه عندما توجه إلى صيدلية لإحضار دواء لوالدته المريضة فدخل مقهى إنترنت قبل الوصول إليها ولم يخرج إلا بعد أربع ساعات.

ليلى بوعلام: معالجة الإدمان تتم عن طريق دمج المدمنين مع بعضهم حتى يكتشفون العالم الواقعي الذي يختلف عن الافتراضي

وفي حادث آخر نسي أن يحضر ابنته على الساعة التاسعة مساء بعد نهاية درس خصوصي. ويقول “عندها طلبت زوجتي الطلاق فكان علي أن أختار بين عائلتي والإنترنت”.

وبدأ فيصل العلاج في نهاية العام 2016. ويروي “كان الأمر صعبا.. وجدت العديد من المدمنين خلال العلاج الجماعي وتبادلنا التجارب. إنه طوق النجاة”، مشيرا إلى ضرورة مساعدة المختصين من أجل التوقف عن هذا الإدمان.

والآن بعد حصص العلاج، بات فيصل يمضي خمس ساعات في اليوم أمام الشاشة ولا يتردد على مقاهي الإنترنت، كما أن وضعه الاجتماعي والمهني تحسن، لكنه مازال يعاني من آلام في الرأس.

ويدعو فيصل الجميع إلى الحذر “فلا أحد محصنا، إنني إنسان بالغ وسقطت في الفخ. يجب التنبيه إلى هذه الظاهرة”.

اضطراب

أصيبت مريم (42 عاما) وهي مديرة مؤسسة تعمل في الصناعة الغذائية، بانهيار عصبي بعد وفاة زوجها. فأصبح الإنترنت الوسيلة الوحيدة لملء الفراغ في حياتها.

تقول مريم “أهملت عائلتي وفقدت الشهية للطعام، ولم يعد يهمني سوى أن أكون أمام شاشة”، وانقطعت عن الحياة الاجتماعية وأصبحت تعيش في عالم افتراضي.

تعالج مريم منذ يناير في المركز وقد باتت تخلد إلى النوم عند منتصف الليل. ويشهد وضعها تحسنا لكنها تأسف لغياب جمعيات تهتم بإدمان كهذا.

ويفيد أطباء مختصون في المركز أن مظاهر اضطراب كبير تبدو على المدمن بمجرد عدم تمكنه من الاتصال بالإنترنت .

ويوضحون أن الاتصال بالإنترنت لأكثر من 38 ساعة في الأسبوع خارج إطار العمل، يعد إدمانا.

تقول المعالجة النفسية سهام حمادنة إن “80 بالمئة من مؤشرات إدمان الإنترنت والمخدرات متشابهة”.

ليلى بوعلام أخصائية في مركز علاج الإدمان على الإنترنت تقول، معالجة الإدمان تتم عن طريق دمج المدمنين مع بعضهم يمارسون الرياضة والمطالعة ويتناقشون حتى يكتشفون العالم الواقعي الذي يختلف عن العالم الافتراضي الذي يعيشونه.

كانت المراهقة صافية البالغة 16 عاما، تمضي تسع ساعات يوميا أمام الكمبيوتر، وبعد تراجع نتائجها الدراسية جاء بها والداها إلى المركز للعلاج بعدما لاحظا مؤشرات الاضطراب عليها.

عبدالمالك ح. موظف بشركة في الصحراء الجزائرية يعمل مهندسا، يبلغ من العمر 46 سنة، متزوج وأب لثلاثة أطفال، التحق بالمركز في يوليو الماضي، وشفي من الإدمان على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، فضل عدم نشر لقبه والاكتفاء بحرف “الحاء” لأنه يريد البقاء بعيدا عن الأضواء.

يقول عبدالمالك إنه عانى كثيرا من الإدمان على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، في العمل والمنزل وحتى في أوقات فراغه خصوصا بعد إطلاق خدمة الجيل الثالث للهاتف الجوال في الجزائر نهاية 2013.

وذكر محدثنا أن الإدمان وصل به إلى ركن سيارته على جنبات الطريق وتصفح الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في الهاتف الذكي، وحتى ساعات النوم صارت قليلة لمكوثه مطولا ولساعات متأخرة من الليل يتصفح الإنترنت.

مؤشرات إدمان الإنترنت والمخدرات والكحول متشابهة ويبقى نصف العلاج بيد المدمن وإرادته

وعن التحاقه بالمركز قال عبدالمالك إنه سمع به عبر وسائل الإعلام ومن طرف أصدقاء كانوا مدمنين أيضا على الإنترنت، وذكر في هذا الإطار “توجهت مباشرة إلى المركز طالبا الشفاء من هذا المرض”.

وفور التحاقه بالمركز يقول عبد المالك “تم عرضي على مختصة نفسانية بالمركز؛ حيث طرحت عليّ أسئلة، وخصصت لي حصصا للتوعية والتحسيس فردية وجماعية”.

وأضاف، “تم إرشادي لبعض التقنيات حتى أشغل بها نفسي كالمطالعة والرياضة وجلسات للنقاش الجماعي بين المدمنين والمختصين”.

وأردف قائلا “في المركز كان العمل منصبا على إقناعي بأن القضية قضية إرادة و50 بالمئة من النجاح يعتمد عليّ أنا”.

بعد شهرين من المتابعة والعلاج بمعدل حصتين في الأسبوع، يؤكد عبدالمالك، أنه صار يتصرف ويتحكم في استعماله اليومي للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

وتحدث عبدالمالك، بكثير من الارتياح والتفاؤل بخصوص وضعه الآن وقال “اليوم صرت أتصفح الأمور الضرورية فقط في النهار وفي الليل أطلع على الأحداث وما يجري عموما ولا أتجاوز نصف ساعة”.

وختم حديثه “مازالت لي مواعيد لمتابعة حالتي في المركز، وصراحة صرت أحس باسترخاء كبير الآن.. زال عني الضغط والأرق وقلة النوم”.

إقبال ضعيف

في مركز العلاج من الإدمان في قسنطينة، يشرف فريق متعدد الاختصاصات من أطباء عامين ونفسانيين ومختصين في الأمراض العقلية ومعالجين طبيعيين ومساعدين اجتماعيين، على علاج مرضى من كل الأعمار، فثمة أطفال يدمنون العاب الفيديو وبالغون يدمنون مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك.

ويأسف المختصون لغياب الدراسات حول هذا الإدمان خصوصا وأن منظمة الصحة العالمية لا تعترف بإدمان الإنترنت كمرض، وهم يلجأون إلى العلاج السلوكي.

ويأمل مدير المركز وصاحب فكرة هذا العلاج رؤوف بوغفة، أن تصبح مؤسسته بنك معلومات يساعد الباحثين.

وتابع “إن الفكرة تبلورت أكثر بعد حادثة انقطاع كابل الإنترنت البحري بعنابة شرقي البلاد، والذي يربط الجزائر بأوروبا، وذلك في أكتوبر 2015، حيث أصيبت البلاد بحالة هيجان وهستيريا غير مسبوقة جراء انقطاع الإنترنت لعدة أيام”.

هذا الوضع دفع برؤوف بوغفة، إلى التفكير في حل لهذا الإدمان الأعمى لدى شريحة من الجزائريين على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وخاصة موقع فيسبوك.

الوعي بالإدمان بادرة العلاج

ويسرد بوغفة، كيف اجتمع مع عمال المصحة وتم الناقش والبحث بشأن الفكرة حيث “اقترحت إضافة إدمان الإنترنت لقائمة الآفات التي يتم علاجها في المركز منها المخدرات والكحول وتعاطي حبوب الهلوسة والتدخين”.

وذكر صاحب المبادرة، أن الفكرة لقيت ترحابا في المصحة، فتم تعيين طبيبة رئيسية ومختصين في الأمراض العقلية، وأخصائية في علم النفس، وأخرى تعمل كمساعدة اجتماعية، وتم تكوين خلية إصغاء وعلاج.

وأفاد المتحدث بأن “العلاج يتم عبر جلسات جماعية تضم المختصين والمدمنين على الإنترنت في آن واحد، وتخصص لهم جلسات فردية وألعاب فكرية ورياضية في قاعات مخصصة للغرض، كما يتوفر المركز على مكتبة غنية بالكتب والمراجع باللغتين العربية والفرنسية ولغات أخرى وضعت تحت تصرف المركز والمدمنين”.

ويشرح صاحب المبادرة أن الغالبية من مستخدمي الإنترنت في مدينة قسنطينة، على الأقل مازالوا غير مقتنعين بالأخطار التي يسببها الإدمان الكبير على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على الأفراد.

وتسبب هذا الاعتقاد السائد وفق المتحدث إلى جعل الإقبال على مركز مكافحة الإدمان على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ضعيفا.

ويروي مدير المصحة كيف أن والدة طفل لا يتعدى عمره 14 سنة، اتصلت بهم بحثا عن شفاء لولدها الذي صار مدمنا على المواقع الإباحية، حيث وبعد قطع خدمة الإنترنت عن البيت صار يتوجه إلى مقاهي الإنترنت لتصفح المواقع الإباحية رغم صغر سنه.

وتم إلحاق الفتى بالمركز من طرف والدته، وهو الآن يتلقى متابعة من طرف الأطباء والمختصين النفسانيين.

رؤوف بوغفة يقول إن “الصدى إيجابي جدا ومنظمات المجتمع المدني اعتبرت الأمر مهما جدا”.

وتابع “المجتمع المدني صار واعيا بدوره وبضرورة التجنيد من أجل التوعية بالمخاطر وبدور المركزأيضا.. حتى التناول الإعلامي للمركز بدأ يتضاعف من يوم إلى آخر بل لقد وصل حتى خارج حدود الوطن”.

وتبقى التوعية والوقاية برأي الأخصائيين أهم عاملين لمكافحة هذه الظاهرة. إلا أن المهمة تبدو صعبة خصوصا في بلد يفتقد إلى وسائل التسلية ولا سيما في المناطق المعزولة.

20