علاج الخلافات الزوجية بالموسيقى

الخميس 2016/04/14

عندما أتخاصم مع الذين أحبهم، أدير الموسيقى عاليا وأتماهى معها إلى أقصى حدودي. أختار غالبا أغنية مناقضة تماما لأحاسيسي في تلك اللحظة “أوقاتي بتحلو” مثلا، أو “الدنيا ريشة في هوا” أو غيرهما من الأغاني التي تسحبك بقوة للحياة خارج نفسك وتطوّح بك عاليا في عالم ممتد وشاسع وبعيد، لا مشاكل فيه ولا خصام ولا عتاب. أذهب هكذا في رحلة مع نفسي، إلى منطقة منعزلة، لا أحد يطالها، أجلس هناك لوهلة أتأمل الحياة ومشاكلها، وجمالها وقوتها. أهدأ، أتنفس، ثم أعود.

والدتي علمتني هذه الطريقة، كانت كلما شعرت بحزن أو ألم أو خوف تغني، بصوت منخفض لا يسمعه أحد غيرها تقريبا. تظل هكذا تتحرك وتدندن إلى أن تهدأ. ومرة أخبرتها أنني أشعر بالخوف أحيانا، عندما يكون البيت خاليا إلا مني، فقالت “عندما تشعرين بالخوف غنّي”. والحقيقة أنني بعد ذلك غنيت كثيرا في حياتي، إما خوفا، أو حزنا أو ألما، أو فشلا، أو قهرا.. وما زلت أغني.

حيلة الغناء من أجل التعايش، (surviving) لا أظن أن أحدا أشار على والدتي بها، لكنها توصلت إليها بالصدفة، بفعل حبها للموسيقى، وجمال صوتها، ولا بد أنها بعد ذلك اكتشفت المفعول السحري للغناء والموسيقى في تخفيف المشاكل وإعادة التوازن لمشاعرنا وحالتنا النفسية، فأصبحت تستمد منها حلا وقوة في أوقات الضعف.

اليوم، كما نعرف جميعنا، تستعمل الموسيقى في علاج أمراض كثيرة، من بينها الزهايمر، ويستعملونها أيضا في علاج اضطراب العلاقات الزوجية، والكثير الكثير من المشاكل والأمراض النفسية والعضوية.

الموسيقى أيضا، أداة تواصل مثلها مثل اللغة المنطوقة ولغة الجسد، أي أنه بإمكاننا أن نقول الكثير بها ومن خلالها، إلى درجة تمكننا من الاستعاضة بها عن الكثير من الكلام والمواقف والعبارات التي تزيد، ربما، من تصعيد الأمور.

الأزواج الذين يستمعون إلى الموسيقى، يرسلون الأغاني إلى بعضهم، يتناقشون حول الفن، يصمتون لوهلة ليستمعوا إلى أغنية تعبر على الراديو، هم أزواج محظوظون حقا، لأنهم وفروا لأنفسهم قنوات بديلة بإمكانها أن تحقق درجة عالية من التواصل بينهما، فإذا سلمنا بأن أغلب المشاكل التي تحدث في البيت سببها سوء أو قلة التواصل، فإن الموسيقى، تفتح جسرا إضافيا، للتواصل وإبلاغ المعنى.

كثيرون منا تشغلهم الحياة عن شيء مهم كهذا، وهناك من يعتقد أن الموسيقى مرتبطة بسن الشباب والحب والشقاوة، وأنها بعد سن معينة تصبح خفة وقلة هيبة، وهناك من لا يحب الموسيقى أو يتربى على حبها من أول النشأة.

في رأيي كما تهتم الزوجة بتحضير غداء زوجها، وتنظيف البيت، والاعتناء بالأولاد وتربيتهم ودروسهم، عليها أن تهتم بـ”الحالة الفنية” للبيت، أو “الجو الفني”، الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق، وكما يهتم الزوج بمصروف أهله، وتربية أبنائه، عليه أن لا ينسى أن يجعل من سلوكه الفني قدوة لهم، وفي الغالب فإن تنمية الذوق الفني لدى أفراد الأسرة، وجعل الموسيقى عنصرا أساسيا من عناصر التخاطب، يجعل الأمور والعلاقات ألطف وألين وأهدأ بكثير، فلم يعد خافيا أثر الموسيقى على وضعنا النفسي وتأثيرها علينا وعلى علاقاتنا ببعضنا.

أحيانا، أذكر الرجل الذي أحب أنه لم يرسل لي أغنية من زمن طويل، وعندما يخطئ ويقول “ماذا تحبين أن تسمعي؟” أرد “الذي أحب أن أسمعه أعرفه، وأعرف أين أجده، أحب أن أسمع ما تحب أنت”. ذلك أن أغنية واحدة كافية لتخبر بما يشعر به الآخر، كيف يفكر في تلك اللحظة، وكيف يتحسس يومه أو يتعثر فيه. وهي أيضا وبالتأكيد، كافية لتقول “أحبك، أشتاق إليك، أفتقدك، كم أنت بعيد، اقترب، لا تذهب، لا تكتئب..” إلى آخر الكلام،.. إلى آخر المعنى.

21