علاج المرضى في اليمن حبر على وصفة طبية

تجار الحرب يتوجهون إلى سوق الدواء ليبيعوا الموت للمرضى من الأطفال والنساء والشيوخ الذين يجوبون الصيدليات الفارغة بحثا عن دواء يشفيهم من علتهم أو حتى يسكّن آلامهم، لكن دون جدوى ليبقى الملاذ الوحيد لهم السوق السوداء التي تروج لعقاقير مجهولة المصدر وغير مأمونة الجودة والفعالية، إلى جانب عواقبها الصحية الوخيمة التي من الممكن أن تصل إلى الفتك بهم رغم أسعارها الجنونية.
الخميس 2017/04/06
البحث عن الدواء هو الداء

صنعاء - يدفع مواطنو اليمن ضريبة الحرب المتصاعدة في بلادهم منذ قرابة عامين، لا سيما بعد انهيار شبه تام للنظام الصحي، وتوقف نصف المنشآت الصحية عن الخدمة واختفاء معظم الأدوية.

ويكتب الأطباء وصفات الدواء لمرضاهم لتبدأ رحلتهم في البحث عن شفائهم في الصيدليات دون جدوى، ويلجؤون بعدها إلى السوق السوداء حيث الأسعار تفوق ما تحملهم جيوبهم من نقود قليلة.

وتهدد هذه الظروف حياة الكثيرين في بلد يعاني اضطرابات أمنية وسياسية واقتصادية، حيث تسببت الحرب المندلعة على مدار العامين الماضيين في ارتفاع كبير لأسعار الأدوية في السوق المحلية، جراء انهيار سعر العملة المحلية، وارتفاع سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء إلى 350 ريالا (بزيادة 100 ريال عن السعر الرسمي).

وتتوالى الاتهامات على تجار الدواء برفع الأسعار “بشكل جنوني”، وهو ما ينفيه مختصون، خصوصا وأن التجار باتوا بين خيارين؛ إما رفع سعر الدواء، وإما التوقف تماماً عن الاستيراد.

وأعلن مصدر مسؤول انتهاء المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمحاليل الطبية، لافتا إلى أن 54 صنفا من أدوية السرطان اختفت من الأسواق، وأن الموت أصبح نتيجة حتمية لانقطاع الأدوية الأساسية.

وأضاف أن “51 بالمئة من المرافق الصحية توقفت عن العمل، وأن نحو 120 ألف مريض بالسكري يحتاجون إلى حقن الأنسولين، لكنها باتت صعبة المنال في ظل الوضع الحالي”.

وقال سكان في العاصمة صنعاء إن أسعار الأدوية ارتفعت بشكل مفاجئ، فيما اختفت عشرات الأصناف من الأدوية المنقذة للحياة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، وانعدام مصادر الدخل، وتوقف رواتب موظفي الدولة للشهر الخامس على التوالي.

ووفق أحمد العديني، موظف في شركة خاصة، فإن “بعض أصناف الأدوية شهدت ارتفاعا مبالغا فيه، بزيادة تتراوح بين 1500 ريال وألفي ريال يمني (5.8 – 7.7 دولارات) للصنف الواحد”.

وتابع المواطن اليمني قائلا “الدواء الخاص بالجيوب الأنفية ارتفع سعره من 1800 ريال (قرابة 6 دولارات) إلى 2800 ريال (10.7 دولارات) خلال يومين، وأصحاب الصيدليات يرجعون السبب إلى انخفاض قيمة العملة المحلية وصعوبة الاستيراد.. كل هذا ولا يوجد لدينا أي مصدر دخل”.

وتضطر شركات الأدوية في اليمن إلى شراء الدولار من السوق السوداء بأسعار مبالغ فيها بسبب قلته في البنوك، مع سعيها لإتمام صفقاتها الخارجية، وهو ما يضطرها إلى رفع سعر الدواء.

طال الانتظار

جشع التجار

تشكو شركات الأدوية من جانبها من اختفاء أدوية مهمة لحياة الإنسان منذ شهور جراء تأخر الشحن البحري؛ ما يجبر التجار على تحمل تكلفة مضاعفة لجلب الأدوية، وبالتالي التقليل من الاستيراد.

وقال عمار سنان، صيدلي في صنعاء، “نعاني انعداما تاما للأدوية الخاصة بمرضى السكري، وخاصة الأنسولين الذي كان يحتاج إلى عملية نقل جوي والاحتفاظ به في ثلاجات خاصة”.

وأضاف سنان “تنعدم أيضا أدوية سرطان الدم، وأدوية القلب والربو، إضافة إلى أدوية خاصة بالجراحة والإسعافات الأولية ومستلزمات غرف العمليات”.

وأرجع سنان الارتفاع المفاجئ في أسعار المتوفر من الأدوية إلى “تدهور العملة المحلية مقابل الدولار، إضافة إلى جشع التجّار”.

ويقول عاملون في شركات استيراد الأدوية إن ارتفاع سعر صرف الدولار جعل التجار يقللون من عملية استيراد الأدوية، بعد أن باتوا يدفعون مبالغ مالية مضاعفة جراء تأخر تلك السفن في الوصول إلى الموانئ، ثم اضطرارها إلى البقاء طويلا في الميناء.

وقال أحد العاملين في شركة أدوية، والذي طلب عدم نشر اسمه، “حاليا يفرض الحوثيون جمارك على الأدوية القادمة من منفذ الوديعة البري للبضائع القادمة من السعودية”.

وأضاف قائلا “ندفع أجور نقل مضاعفة وجمارك مضاعفة، وبالتالي ليس أمام التاجر سوى رفع تكلفة سعر الدواء بشكل مضاعف أو التوقف عن الاستيراد، وهذا سيكون كارثيا بالطبع”.

وقال الصيدلي ماهر أحمد “عقب اجتياح الحوثيين صنعاء في سبتمبر، غادرت شركات دوائية عالمية اليمن، بعد أن كانت لديها مقرات رئيسية في صنعاء، وتوفر كافة الأصناف مثل شركة غلاكسو سميثكلاين”.

وأضاف ماهر أن “هناك أيضا شركات غادرت بسبب الاضطرابات الأمنية واجتياح العاصمة ومدن أخرى”، مشيرا إلى أن السوق يعاني من انعدام عدة أدوية تتعلق بأمراض السعال والقلق والسكري وضغط الدم.

وتوقفت مؤخرا ثلاثة مصانع محلية لإنتاج الدواء، فيما استمر فقط مصنع واحد بصنعاء يعمل بنصف طاقته الإنتاجية.

تهريب الأدوية

تشهد السوق اليمنية من فترة إلى أخرى توفر بعض أصناف الأدوية المختفية عن طريق التهريب، لكنها تختفي من الأسواق بعد فترة قصيرة، رغم ارتفاع سعرها عن السابق بنسبة تتراوح بين 30 بالمئة و50 بالمئة، بحسب الصيادلة. ويعتمد اليمن على استيراد قرابة 95 بالمئة من الأدوية، وجراء الحرب تراجع حجم استيراد الأدوية خلال النصف الأول من عام 2016 إلى 25 مليار ريال (117 مليون دولار) مقابل 54 مليار ريال خلال الفترة ذاتها من 2015، وفق إحصائيات رسمية.

51 بالمئة من المرافق الصحية توقفت عن العمل، ونحو 120 ألف مريض يحتاجون إلى حقن الأنسولين

وكشفت مصادر طبية في صنعاء عن قيام الحوثيين بتأسيس وإدارة سوق سوداء للدواء، وشركات أدوية تعمل لمصالحهم، مكونين بذلك أمراء حرب في سوق الدواء اليمني.

ولفتت المصادر الإعلامية إلى قيام الحوثيين بنهب الأدوية التي تصل من قبل المنظمات الإغاثية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ليصنعوا بذلك سوقا سوداء أثقلوا بها كاهل الشعب اليمني المثقل أصلا بالمعاناة والأزمات.

ويؤكد الصيدلاني إبراهيم .ك أن شرعنة الحوثيين لتهريب الدواء تمثل جريمة وطنية وإجراء خطيرا بالنظر إلى كون 50 بالمئة من الأدوية المهربة في السوق اليمنية مجهولة المنشأ وغير مأمونة الجودة والفعالية، إلى جانب عواقبها الصحية، وما تلحقه من ضرر بالاقتصاد الوطني والصناعات الدوائية.

واستحوذت الميليشيات بشكل كامل على أدوية الأمراض المزمنة، مثل القلب والكلى والسرطانات لتتاجر بها على المرضى المعنيين بأسعار خيالية فاقت بكثير الأسعار العالمية، وبزيادة تصل إلى 75 بالمئة.

ويؤكد الصيدلاني قيس اليعبري أن “الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، المدعومة من المنظمات الدولية، تحتكرها وزارة الصحة القابعة تحت قبضة الميليشيا، ويتورط مسؤولون حوثيون في بيعها بأسعار باهظة بدلا من توزيعها على المراكز المخصصة، وهو ما يضاعف عدد المرضى العاجزين عن الحصول على هذه الأدوية”.

وبحسب إحصائيات لمنظمات طبية غير حكومية فقد ارتفع حجم الدواء المهرب إلى أكثر من 80 بالمئة من حجم سوق الدواء، وذلك منذ الانقلاب الحوثي على السلطة الشرعية مطلع 2015، بعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 60 بالمئة أواخر 2014.

ومنذ اندلاع الحرب، انتشرت في اليمن أمراض وأوبئة، ففي حين عادت “الكوليرا”، التي كانت السلطات الصحية أعلنت في 1996 خلو اليمن منها، إلى حصد أرواح يمنيين، حيث تأكدت وفاة 103 أشخاص خلال ثلاثة أشهر، كما سُجلت إصابات بأمراض “الحصبة” و”الجدري” بين الأطفال، وباتت المنظمات الدولية تخشى من عودة مرض “شلل الأطفال”.

وحذّرت منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة “يونيسف” من تزايد تفشي وباء الكوليرا بـ”شكل مخيف” في اليمن.

اختفاء الدواء يضاعف معاناة اليمنيين

ونهاية العام الماضي، أطلق ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن أحمد شادول تحذيرا من أن القطاع الصحي في اليمن في حالة تدهور مخيف ووصفه بـ”المريض”، لافتا إلى أن هذا القطاع يواجه خطر الانهيار في حال استمرت الحرب وتوقف الدعم الدولي؛ ما يعرض حياة الملايين من اليمنيين للخطر.

وقالت المنظمة إن “وباء الكوليرا والأمراض الناتجة عن غياب المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي والنظافة، في تزايد بشكل مخيف في اليمن”.

وأشار البيان إلى أن كل 10 دقائق يموت طفل في اليمن بسبب سوء التغذية، والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي.

ويسير الوضع الصحي إلى الأسوأ في ظل الظروف الراهنة، حيث انتشار الأمراض والأوبئة التي تهتك بكافة الفئات العمرية.

وتبدو معاناة اليمنيين، ولا سيما أزمة الدواء، مرشحة للاستمرار جراء انسداد أفق الحل السياسي، وعدم قدرة أي من طرفي الصراع على الحسم العسكري مع قرب اكتمال عامين على اندلاع الحرب.

20