علاج مجتمع يضم مكفوفين أهم من علاج إعاقتهم

رغم ما بلغته فئة المكفوفين من مكانة هامة في العديد من المجالات العلمية الحديثة بالدول المتقدمة، إلا أنهم في بعض البلدان العربية ما زالو يعانون التهميش وعدم الإحاطة. وفي مصر مثلا، وبعد ثورتين داعمتين للنهوض بالكرامة الإنسانية وبرلمان يحتوي لأول مرة في تاريخه على تسعة مقاعد لتمثيل ذوي الإعاقة، يشعر المكفوفون بتكاتف ظلام البصر وفاقدي البصيرة ضدهم.
الخميس 2016/03/31
ضياع البصر لا يؤثر على القدرات الفكرية لمن فقدوه

القاهرة - الجهود المبذولة لخدمة المكفوفين على مستوى صناع القرار والمستوى الشعبي، لم تستطع أن تغير من إحساس المكفوفين بالعجز، حيث باتوا وكأنهم حمل مهمل وثقيل على المجتمع.

وبات المتمسك بالأمل كالنافخ في النار، ويتساءل سرا وجهرا هل تشعر الدولة بمعاناتهم؟ وكيف ومتى سيحصلون على إنسانيتهم في وطنهم؟

هبة هجرس، نائبة برلمانية واستشارية دولية في مجال الإعاقة، أكدت أن المجلس القومي لشؤون الإعاقة قام بوضع قانون حديث لذوي الإعاقة سيتم عرضه على البرلمان للتصديق عليه قريبا، وبذلك يتم إلغاء القانون القديم الذي عفا عليه الزمن والمليء بثغرات تنال من إعاقتهم. وأشارت إلى أن ثمة قضيتين مهمتين يتناولهما القانون، هما حقوق ذوي الإعاقة وكود الإتاحة، بمعنى أن تكون هناك مبان ووظائف وغيرها تناسب طبيعة المعاق. لكن يبدو أن تصريحات المسؤولين قد تأخذ ردحا من الزمن للقضاء على الواقع المؤلم لفاقدي البصر.

وقد رصدت “العرب” معاناة مكفوفين لا قِبَل لهم بها، تتعرض لها أغلبية من الذين يرتدون نظارات سوداء ويتكئون على العصيّ. ومحاضر كثيرة بأقسام الشرطة، لعل آخرها ما صدر منذ أيام عن مدير قسم العمل الخيري ضد فساد المركز النموذجي لرعاية المكفوفين. فقد اكتشف أعضاء المركز أنه يقوم بإعطاء المكفوفين راتبا شهريا 550 جنيها (ما يعادل 55 دولارا) ويجعلهم يوقعون في الدفاتر على استلام 1000 جنيه (ما يعادل 100 دولار) شهريا، أي أنه يسرقهم، مستغلا فقدانهم البصر.

مكفوفون كثيرون اشتكوا من صعوبة الحصول على مناهج خاصة بهم للتعليم، فكتب الدراسة (مدرسية أو جامعية) لا تختلف عن كتب المبصرين، إضافة إلى عدم توفير المستلزمات الدراسية الخاصة بالمكفوفين، كالكتب بطريقة “برايل”، وإن وُجدت فأسعارها عالية داخل مصر وتكلّفهم ما يزيد عن أربعين دولارا للفصل الدراسي الواحد.

وتذكر حورية محمد، كفيفة وطالبة بمدرسة النور في مصر الجديدة بالقاهرة، أن معاناتها كانت مع البشر وليس مع الكتاب. وقالت لـ”العرب”، “أمنيتي ألا يضربني أحد يوما”، فهي تتعرض للضرب يوميا نتيجة تدافع الناس في الأماكن التي ترتادها، وتضيف “إنهم لا يلتفتون إذا كان أمامهم كفيف أو مبصر، وإن أخذوا بالهم فإنهم يتظاهرون بالتجاهل”.

انتماء الكثير من المكفوفين إلى عالم أصحاب الإبداع، لم يغير النظرة المجتمعية لهذا العالم مرهف المشاعر

اتحادات ومنظمات كثيرة لا تمثل سوى صروح مشيدة لا حياة فيها، فهي لا تأتي للمكفوفين بحقوقهم أو تعفيهم من حرج المطالبة بهذا الحق.

مصطفى محسن، طالب بكلية الإعلام، يرتدي نظارة سوداء أخفت انفعالاته لكن اهتزاز عصاه في يده أظهرت مشاعره عندما قال لـ”العرب”، إنه يتمنى أن يأتي اليوم الذي لا يسمع فيه عبارة “هذا المكان ليس للمكفوفين” المنتشرة في الكثير من الأماكن العامة.

وأوضح أنه لم يدخل على عالم المكفوفين تغيرات إيجابية، سواء من المسؤولين أو تعامل المواطنين العاديين، فهو ”حتى اليوم إن لم تكن معه عصا لا أحد يهتم بشأنه، وحتى العصا تحتاج إلى تدريب ولا يوجد مدربون”. ويستنكر طالب الإعلام عدم توافر العصا التي كانت تقدم مجانا للمكفوفين ليتكئوا عليها، أما الآن فلا يوجد إلا النوع الرديء بـ200 جنيه (ما يوازي 20 دولارا)، أما الجيدة فيصعب شراؤها لارتفاع ثمنها أو لأنها تتعرض للسرقة بسهولة. ولا ينكر مصطفى أن بعض المكفوفين أساؤوا لصورتهم، لتكالبهم على المصالح واتخاذهم الإعاقة وسيلة للشحاذة.

المجلس القومي لشؤون المعاقين في مصر، لم يسمع عنه مصطفى من قبل، وتساءل هل هناك ما يسمى بذلك؟ وبالنسبة إليه الناس كلهم معاقون سواء في تفكيرهم أو في نظرتهم للمكفوفين.

محمد حسن، عضو بالمجلس القومي لشؤون الإعاقة أكد لـ”العرب”، أن المجلس بالفعل لم ينجز شيئا من الأهداف التي وجد من أجلها، فالروتين الحكومي يتغلغل في أركانه، وإهمال الحكومات المتعاقبة له نجم عنه فشل في احتواء أزمات المعاقين ومشاكلهم، بالرغم من أعدادهم الكبيرة.

وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أن ما يقرب من 280 مليون نسمة يعانون من ضعف البصر في العالم، وما يقرب من 40 مليونا منهم مصابون بالعمى. ويبلغ عدد المكفوفين في مصر حوالي 3 ملايين وهم في تزايد سنويا، بحسب إحصائيات “المجلس القومي لذوي الاحتياجات الخاصة”، والكارثة أن 70 بالمئة من المكفوفين أميون.

ويبدو أن انتماء الكثير من المكفوفين إلى عالم أصحاب الإبداع، لم يغير النظرة المجتمعية لهذا العالم مرهف المشاعر، وبات جليا أنه يجب علاج المجتمع الذي يعيش فيه الكفيف قبل علاج المرض ذاته.

كما أن عالم الظلام أضحى أشد قسوة، فالحرمان من الضوء طبقا لدراسات كثيرة أصعب من الحرمان من الصوت وأكثر ضغطا ويترتب عليه شعور بالقلق، فضلا عن صعوبات في التذكر وشعور بالضغط، مما يزيد الشعور بالعزلة. حيث تتفاقم هذه العزلة بنظرة المجتمع السلبية للمكفوفين، وقد تتشكل لديهم ردود أفعال عاطفية وانفعالية سلبية.

عالم الظلام أضحى أشد قسوة، فالحرمان من الضوء طبقا لدراسات كثيرة أصعب من الحرمان من الصوت وأكثر ضغطا ويترتب عليه شعور بالقلق

وتتفاوت الآثار النفسية التي تظهر على المكفوفين بحسب صفات كل شخص وتجربته والظروف الأسرية والمجتمعية المحيطة به. وتبدأ المشاكل كما يوضح لـ”العرب” حامد عبدالواحد أستاذ الطب النفسي، عندما يكون الآباء غير مستعدين لتقبل إعاقة أبنائهم البصرية، فيسرفون في حمايتهم، ما يؤدي إلى انعكاسات طويلة الأمد على التكوين العقلي والنفسي والاجتماعي لشخصيتهم.

ويشارك المجتمع أيضا في تعزيز نظرة الكفيف لذاته، وتكون النتيجة إما شخصا يقبل حالته بنوع من التحدي، فيبدع ويتميّز في مجالات عديدة، إما كفيفا انطوائيا غير قادر على استيعاب الإعاقة ودائما يلعن قدره. وعندما يرغب في الاندماج مع الآخرين يسيطر عليه صراع الإحجام أو الإقدام، فإذا تحرر من عالمه المحدود يصطدم بآثار عجزه التي تدفعه مرة أخرى إلى ظلمته. وشدد أستاذ الطب النفسي على ضرورة دمج وتقليل الفوارق الاجتماعية والنفسية بين المكفوفين والأشخاص العاديين، فالثقافة المجتمعية السليمة ستساهم في تغيير ثقافة الحكومة وتمنح المكفوفين مناخا أكثر نموًّا لتحقيق ذواتهم.

وفي السياق نفسه، أكدت أحلام كمال ناشطة في مجال حقوق الإعاقة، عدم توافر أدلة علمية على وجود فروق جوهرية بين المكفوفين والمبصرين من الناحية السيكولوجية. وقالت لـ”العرب” إن مشكلات التوافق الاجتماعي لدى المعاقين بصريا سببها ردود الفعل غير الملائمة من جانب المجتمع للكفيف، وليس بسبب خلل لديهم، وأن المبصرين مسؤولون عن التواصل مع المكفوفين. وتعترض الباحثة على أن الناس تعتبر المعاق بصريا تابعا، مؤكدة على أن ذلك يشعره بأنه عبء ثقيل على المحيطين به.

الاتهامات الموجهة من جانب المتخصصين للمجتمع ككل أثارت حفيظة الكثيرين، مؤكدين على أنه لا يجب تعميمها على الجميع، فهناك مواقع إلكترونية ومنظمات ومبادرات شبابية تطوعية لمساعدة المكفوفين من دون مقابل.

ولاء فتحي متطوعة تابعة لمبادرة “صديق الكفيف” التي انطلقت باسم ”نبراس”، لكي تكون نبراسا يهدي الكفيف وسط ظلمته في ما يتعلق بالقراءة والمذاكرة، أشارت لـ”العرب” بأنهم يقومون بعملية مسح للكتب بحيث تكون كلها في شكل مجموعة من الصور، ثم يحولون تلك الصور ويكتبونها ومنها ما يمكن تحويله إلى طباعة برايل مباشرة.

ولاء نوّهت بتعدد أوجه مساعدة الطلاب المكفوفين ضمن هذه المبادرة، فمنهم يتفرّع نشاط المرافقة والتي يرافق فيها المتطوع الكفيف، سواء إلى مكان محدد أو للقراءة ومراجعة دروسه معه أو كتابة وتسجيل كتب ومحاضرات.

21