علاج مشاكل الطفل النفسية يبدأ بعلاج مشاكل الأسرة

أسر تتجاهل المشكلات النفسية وأخرى تجهل كيفية التعامل معها، وحالات الاكتئاب والاضطرابات في تزايد في أوساط الأطفال الصغار.
السبت 2018/12/15
الانتباه لحزن الطفل ضروري

تشير الكثير من العلامات والتغييرات في سلوك الطفل إلى أن حالته النفسية ليست على ما يرام، ويكون الوالدان عموما أول من يلاحظ هذه التغييرات من خلال تصرفات الابن في البيت حيث يشرد أو يفضل الصمت أو ينعزل ويتراجع نشاطه… ولمجرد تفكير الأهل في أن طفلهم مصاب بالاكتئاب يشعرون بالقلق والحيرة ولا يدرك الكثير منهم كيفية التصرف إزاء هذا الوضع. وبالرغم من زيادة حالات الاكتئاب عند الصغار حسب المختصين إلا أن توعية الأسر بذلك لم تواكبها.

القاهرة – يبحث الآباء والأمهات أحيانا عن تفسيرات تريحهم من الشعور بالقلق إزاء ملاحظتهم لاضطرابات في سلوك أبنائهم تنم عن وضعية نفسية غير طبيعية، لكن مختصين يؤكدون أنه ينبغي على الأبوين إدراك إصابة الطفل بالاكتئاب في وقت مبكر لكي يتمكنا من مساعدته وإخراجه من وضعه النفسي الصعب.

ويوضح أستاذ الدراسات النفسية بالقصر العيني، سامي محمود، أن ظهور حالات الاكتئاب لدى الأطفال يرجع لأسباب وراثية أحيانا نتيجة لظهور تشوهات في الجينات الوراثية، فهناك المئات من الأطفال يعانون من الانطواء والاكتئاب والنسبة تقريبا أربعة أطفال من بين كل عشرة آلاف طفل مصابين بالاكتئاب، مقابل كل أربعة أطفال ذكور تصاب طفلة بالاكتئاب، كما أن حالات الانطواء لدى الأطفال ترتفع بمعدلات كبيرة مما يدل على أن الأطفال في حاجة إلى المزيد من الاهتمام من الآباء والأمهات.

بينما ترى أستاذة علم النفس بجامعة عين شمس نجية أسامة، أن حالات الاكتئاب لدى الأطفال ترجع أساسا إلى أسباب متعلقة بالظروف المحيطة بهم والتي ترتبط في أغلب الأحوال بالأسرة حين تتسم باضطراب في عملية التنشئة الاجتماعية، بالإضافة إلى الصدمة أو الخبرات الانفعالية السيئة التي يمر بها الطفل والتي قد تسبب لدى البعض أشكالا مختلفة من الاضطرابات النفسية ومنها الاكتئاب.

ويحاول المختصون في التربية والأسرة والطب النفسي مساعدة الطفل بالسعي لتغيير الظروف المحيطة به، ومحاولة إدماجه في أشكال من الأنشطة التي تخرجه من هذه الحالة ولا بد من تفعيل أكثر لدور الأب والأم في حالات الاكتئاب لدى الأطفال، فهم أكثر الناس معرفة بالأسباب التي أدت إلى هذه الأعراض، وإن كان الأب أو الأم في معظم هذه الحالات لديهما اضطرابات نفسية انعكست على الطفل.

ويقول أستاذ الطب النفسي بجامعة قناة السويس، إسماعيل يوسف، “للأسف الشديد نلاحظ في مجتمعنا إهمالا للحالة النفسية للأطفال وقليلون هم الذين يهتمون بها سواء في إطار الأسرة أو خارجها”. وكثيرا ما تكون للاكتئاب علامات مرضية جسدية تأتي على شكل وجع في المعدة وصداع وخمول، ولا شك أن من أشهر الأمراض النفسية والعلامات عند الأطفال التبول اللا إرادي.

ومن أبرز العلامات نجد مشاكل الكلام مثل التأتأة والتلعثم، بالإضافة إلى مشاكل عدم الانتباه أو الفرط في الحركة، وهذه العلامات باتت متزايدة الظهور عند الأطفال اليوم وكثيرا ما يشتكي منها الآباء ولا يعرفون كيفية التعامل معها.

أسر تتعامل مع إنجاب الأبناء منذ البداية على أنهم وسيلة لإشباع الرغبات، فيصبح الطفل الذي يريد الحب فاقدا له

ويؤكد يوسف أن الأمراض النفسية التي لا يقف وراءها عامل الوراثة مثل القلق والاكتئاب والخوف، وعدم التحصيل الدراسي تعد بمثابة مرآة للأسرة… وأحيانا يضطر الأخصائيون النفسيون إلى إصلاح أوضاع الأسرة أولا حتى يتمكنوا منمعالجة الطفل، وذلك بعد فهم كافة الظروف المحيطة به.

وأثبتت العديد من الدراسات العلمية أن إصابة الأطفال بأمراض عضوية مثل ضغط الدم والسكري تكون نتيجة لأسباب نفسية مرتبطة بحياته اليومية في بيئتها الأولى وهي الأسرة. وتحتاج بعض الحالات المتقدمة من الاضطراب النفسي إلى متابعة من المختصين، في حين يكفي الإرشاد النفسي والتوعية لتخليص الطفل من مشكلاته النفسية الخفيفة والعابرة.

ويضيف إسماعيل يوسف “لا شك أن لوسائل الإعلام دورا كبيرا في توعية الأهل لمعرفة احتياجات الطفل النفسية، لأننا بالفعل نفتقد متابعة دقيقة لهذه الأمراض ولا بد للأب والأم أن يلعبا أدوارهما المعنوية والتربوية قبل المادية تجاه الأبناء، وعليهما أن يبعدا خلافاتهما على أولادهما وأن يراقباهم ويلاحظا التغييرات التي تطرأ عليهم في الحال”.

وتوضح د. فاتن أحمد علي بمعهد الطفولة والأمومة بجامعة عين شمس أن الأسباب البيولوجية للأمراض النفسية لا تزيد نسبتها عن 1 بالمئة مثل أمراض التخلف العقلي، ولكن عندما تنتشر الإصابة بالاكتئاب أو الانطواء فذلك يعني وجود خلل في البيئة المحيطة بالطفل والتي تتمثل في الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام.

وبالنسبة للأسرة يرجع الخلل إلى الطريقة التي نربي بها أطفالنا، حيث أن الأبوين غير معدين الإعداد الكافي للحفاظ على سلامة الطفل النفسية، وهذا يكشف تعامل بعض الأسر مع إنجاب الأبناء منذ البداية على أنهم وسيلة لإرضاء الغير أو الذات ولإشباع رغبات الوالدين، فيصبح الطفل الذي يريد الحب والاحترام والقبول من أبويه باحثا عن الشخصية التي يريدانها له ويضعان له شروطا ليحظى بمحبتهما وإعجابهما، ويتسبب ذلك في حدوث ردود أفعال لهذه الشروط، فهو لا يصدق أحاسيسه دائما حيث يعتقد أن الأبوين على حق وهو خاطئ بصفة مستمرة.

وتنصح المختصة الآباء بالعمل على إظهار حبهم لأبنائهم وعلى احترام الطفولة وعقل الطفل كما هو، وتشجع الأم على أن تكون قريبة من أبنائها وتربيهم على الصدق مع النفس ولا مانع من اعتراف الآباء بأخطائهم أمام الأبناء لإفهامهم أن الإنسان قد يخطئ في أحيان كثيرة، وهنا نكسب احترامهم ونتخلص من أمراض كالخوف والقلق وعدم الثقة في النفس وأيضا الاكتئاب.

21