علاج نوبات مرضى الخرف بالأدوية ليس الخيار الأفضل

دراسة بريطانية تكشف أن التفاعل الاجتماعي يُحسن من جودة حياة مرضى الخرف الذين يعيشون في دور الرعاية المتخصصة ويحد من سلوكيات العنف التي تنتابهم.
الخميس 2019/10/17
للأدوية المضادة للذهان آثار جانبية تصل حد الموت

يصاب بعض مرضى الخرف بالهلع بمجرد اكتشاف شخص لا يتذكرونه أو لا يعرفون من يكون داخل غرفتهم أو برفقتهم وهو بصدد الاعتناء بأدق تفاصيل حياتهم اليومية. يتمظهر ذلك الهلع في حالة من الهيجان والعدوانية والرفض قد لا تستطيع الأدوية السيطرة عليها أو تهدئتها.

تورنتو (كندا)- تشير دراسة جديدة إلى أن أعراض الهيجان والعدوانية لدى مرضى الخرف تستجيب بشكل أفضل للعلاجات غير الدوائية كالعلاج باللمس أو التدليك أو ممارسة الأنشطة الخارجية.

أفاد تقرير نشر في المجلة الطبية الأميركية “ذي أنالز أوف إنترنال مديسين” بأن باحثين كنديين أعادوا تحليل أكثر من 163 دراسة، شملت ما يقرب من 25000 مريض، ووجدوا أن الرعاية متعددة التخصصات كالتدليك والعلاج باللمس والموسيقى كانت أكثر فعالية من الرعاية المعتادة للمرضى.

وقالت أخصائية أمراض الشيخوخة الدكتورة جنيفر وات وهي مؤلفة الدراسة الرئيسية وباحثة في معهد “لي كا شينغ” التابع لمستشفى “يونيتي هيلث تورنتو” الكندي، “تشير نتائجنا إلى أن الرعاية متعددة التخصصات والعلاج غير الدوائي يجب أن يحظيا بالأولوية في علاج مرضانا ويجب إدراج ذلك في المبادئ التوجيهية المستندة إلى الأدلة”.

وأضافت وات أن الأدوية المضادة للذهان، التي توصف عادة لعلاج هذه الأعراض السلوكية، ترافقها بعض الآثار الجانبية، مثل زيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية والموت. لهذا السبب فهي تقترح على مقدمي الرعاية تجربة العلاجات غير الدوائية أولا.

وأوضحت وات أن فريقا من المتخصصين يعملون مع المرضى ومقدمي الرعاية للقيام بالعلاج متعدد التخصصات. وقد يضم الفريق ممرضين مدربين في طب الشيخوخة وطبيبا يمكنه التمعن في الأسباب الطبية المحتملة للسلوكيات ويصف الأدوية المناسبة لها وأخصائي علاج طبيعي يحاول تعديل بيئة المريض أو تكييف روتينه لتجنب الإحباط.

وأردفت وات أن المرضى يصبحون عدوانيين ومهتاجين “عندما لا يستطيعون التذكر أو لا يمكنهم القيام بالخطوات أو حتى ممارسة الأنشطة اليومية”.

المرضى يصبحون عدوانيين ومهتاجين عندما لا يستطيعون ممارسة الأنشطة اليومية
المرضى يصبحون عدوانيين ومهتاجين عندما لا يستطيعون ممارسة الأنشطة اليومية

في بعض الأحيان يستفز المريض لأنه لا يتعرف على الشخص الذي يعتني به. وأوضحت وات “إذا التقى المريض بشخص ما لا يتذكره، داخل غرفته، ثم يراه يرافقه إلى الحمام ويساعده على نزع سرواله، يمكنك أن تتخيل كيف يمكن لذلك أن يكون مثيرا للقلق”.

بالنسبة إلى الدراسة الجديدة، حدد فريق وات في البداية ما يقرب من 20 ألف دراسة سابقة كانت قد قيّمت فعالية العلاجات غير الدوائية. ثم خفض عددها إلى 163 دراسة تضمنت معلومات عن 23143 مريضا بمتوسط ​​عمر 70 سنة.

ولقد وجد الباحثون أن الأنشطة في الهواء الطلق كانت أكثر فعالية من الأدوية المضادة للذهان في علاج المرضى الذين يعانون من عدوانية جسدية. وعندما يتعلق الأمر بالعدوان اللفظي، كان التدليك والعلاج باللمس أكثر فعالية من الرعاية المعتادة للمرضى. وكانت هذه التقنيات أيضا أكثر فعالية من الرعاية المعتادة في علاج اهتياج المرضى.

وتشير وات إلى تجربتها الشخصية في تعليم مقدمي الرعاية القيام بالتدليك باليد عندما يصاب المريض بغسيل الكلى، قائلة، “إن تدليك اليد يمكن أن يكون مهدئا جدا له”.

لم تكن النتائج الجديدة مفاجئة للدكتور ميلاب نورانجي، أستاذ مساعد في قسم الطب النفسي في كلية جونز هوبكنز الطبية، في بالتيمور بالولايات المتحدة الأميركية، الذي قال “إنها مهمة”.

وأضاف نورانجي أنه على الرغم من أن الدراسة تعاملت في الغالب مع المرضى الذين يقيمون في دور رعاية أو من لديهم رعاية طبية داخل بيوتهم، فقد تكون النتائج مفيدة أيضا لأفراد الأسرة الذين يعتنون بأحد أقاربهم المرضى في المنزل.

وأكد أنه طالما أنه لا يوجد علاج وحيد يمكن أن يساعد جميع المرضى، فعلى العائلات تجربة عدد من الخيارات. أولا وقبل كل شيء، يجب على مقدمي الرعاية التحقق لمعرفة ما إذا كان هناك أي سبب مادي لهذه السلوكيات، مثل الجوع أو الألم أو عدم الراحة.

الخرف مرض دماغي يؤثر على القدرات الذهنية والمعرفية لدى كبار السن
الخرف مرض دماغي يؤثر على القدرات الذهنية والمعرفية لدى كبار السن

وإذا لم تكن هذه هي المشكلة، يمكن لمقدمي الرعاية محاولة حث المرضى على المشي أو السياقة أو جعلهم يفعلون شيئا بشكل متكرر، مثل طي المناشف أو غسل الصحون باستخدام رائحة معطرة أو تسريح شعرهم وتدليكهم.

كما أوضحت دراسة بريطانية نقلها موقع “سيانتيفيك أميريكان” عن مجلة “بلوس ميديسين” أن التفاعل الاجتماعي يُحسن من جودة حياة مرضى الخرف الذين يعيشون في دور الرعاية المتخصصة. وأشارت إلى أن التفاعل لمدة ساعة واحدة أسبوعيا يحد من سلوكيات العنف التي تنتاب مرضى الخرف.

والخرف مرض دماغي يؤثر على القدرات الذهنية والمعرفية لدى كبار السن، يفقدهم القدرة على تحديد السلوكيات السليمة ويؤثر على الذاكرة بشكل كبير. وغالبا ما يمارس المصابون به سلوكيات عنيفة قد تتسبب في إيذاء الآخرين.

وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من كلية الطب بجامعة أكستر بالتعاون مع مدرسة لندن للاقتصاد وجامعات هال ونوتنغهام وجمعية مرضى ألزهايمر أن المرضى المحجوزين في دور الرعاية يتفاعلون اجتماعيا مع بعضهم، أو مع المعالجين، أقل من دقيقتين يوميا، وهو الأمر الذي يسهم في تدهور حالتهم الصحية والمعرفية.

امتدت الدراسة في الفترة من يناير 2013 إلى سبتمبر 2015، وشملت 69 دار رعاية في المملكة المتحدة، وضمت العينة 847 مريضا يعانون من الخرف.

وقام الفريق البحثي بتدريب اثنين من مقدمي الرعاية الصحية من كل دار. وشمل التدريب تعريفهم بكيفية إدارة حوارات مع مرضى الخرف وإشراكهم في القرارات التي تُتخذ حيالهم، كقرار إعطائهم الدواء، علاوة على فتح نقاشات مع المرضى حول اهتماماتهم السابقة.

دور الرعاية عادة ما تطبق إجراءات لها علاقة بالسياسة الدوائية للمرضى، دون أخذ مشاعرهم أو حالتهم النفسية في الاعتبار

وغالبا ما يتناول مرضى الخرف أدوية مضادة للذهان، إلا أن الدراسة تقول إن التدخلات النفسية والاجتماعية القائمة على الأدلة فعالة، ليس فقط في ما يخص تحسين جودة الحياة، لكن أيضا في ما يخص التكلفة، وخاصة في غياب العلاجات الدوائية الآمنة والفعالة.

ويشير كليف بالارد، الباحث الرئيسي للدراسة، في تصريحات للموقع الأميركي إلى أن “تدريب العاملين في دور الرعاية على تقديم الخدمات النفسية والاجتماعية لمرضى الخرف سيحسن من رعايتهم، ويهذب من السلوكيات العنيفة التي يمارسها بعضهم”.

ويرى بالارد أن تطبيق نهج الرعاية النفسية على أولئك المرضى سيسهم في تحقيق العدالة لأكثر فئة مستضعفة في المجتمعات. وأشار إلى أن “دور الرعاية عادة ما تطبق إجراءات لها علاقة بالسياسة الدوائية للمرضى، دون أخذ مشاعرهم أو حالتهم النفسية في الاعتبار”.

ومن جهته، يؤكد دوج براون، مدير البحوث بجمعية مرضى ألزهايمر، أن “70 بالمئة من المقيمين بدور الرعاية يعانون من الخرف، ومن الضروري تدريب المتعاملين معهم على تقديم الرعاية الصحية والنفسية بصورة جيدة لهؤلاء المرضى، إذ إن معرفة اهتمامات مريض الخرف ومناقشته حولها يمكن أن تحسنا من الرعاية وتخفضا من التكاليف”. ووفق تقديرات جمعية مرضى ألزهايمر، فإن الخرف يصيب سنويا نحو 9.9 مليون شخص، ما يعني ظهور حالة جديدة كل 3.2 ثانية.

17