علاج وباء كورونا الجديد: حقيقة أم وهم

اللقاح يحمي من الإصابة بفايروس كوفيد19- والعلاج يحتاج أشهرا.
الثلاثاء 2020/03/24
العالم بأسره ينتظر

منذ أن ضرب وباء كورونا الجديد “كوفيد-19” الصين وانتشر منها إلى بقاع العالم، بدأنا نسمع ونقرأ عن اكتشافات لعقاقير ضد هذا الوباء أو لقاحات تصنع هنا أو هناك، مما خلق ويخلق أملا حقيقيا في نفوس الناس، ثم لا يلبث هذا الأمل أن يتلاشى وينحسر حتى تعاد الكرّة من جديد ويعود الأمل معها.

لا يعني هذا أنه لا توجد بحوث مكثفة في هذا المجال ولا يعني بأن المختبرات الطبية مقصرة في عملها من أجل خلق عقار مناسب أو لقاح ناجع للتصدي لهذا الوباء القاسي والخطير. غير أن هناك حقائق أولية لا بد من كشفها ومعرفتها أولا لكي لا يحصل الخلط في الفهم فيستفيد منه من لديهم أهداف وأجندات خاصة حينما تبقى الرؤية غير واضحة.

ومن أولويات الأمور التي يجب معرفتها هو أننا نستطيع محاربة الوباء بطريقتين: الأولى وهي الأكفأ والأهم، هي صناعة لقاح “مصل” ناجح يتصدى للجرثومة (بكتيريا أو فايروس) المسببة للمرض لكي يحمي الناس منها. هذا اللقاح هو عبارة عن مادة بيولوجية تمثل مادة الجرثومة تعطى أو تحقن في جسم الإنسان من أجل تحفيز الجهاز المناعي فيه لكي يبدأ بصنع المضادات الجسمية والمسمّاة بـ”الغلوبيولين المناعي” (Immunoglobulins)، حيث ستتصدى للجرثومة المقتحمة لجسم الإنسان لاحقا وتدمرها.

مادة الجرثومة هذه إما أن تكون جراثيم حقيقية ضعفية أو ميتة أو مصنعة من مواد بروتينية تطابق الصيغة البروتينية للجرثومة المقصودة.

عملية صنع اللقاح تمر بمراحل طويلة تخلص باكتشاف الصيغة الجينية للجرثومة، وصنع اللقاح المناسب لها، وتجريب اللقاح على الحيوان، وتجريب اللقاح على الإنسان (عينة من المتطوعين)، ثم دراسة فعالية اللقاح الحقيقية، ودراسة المضاعفات والآثار الجانبية الحاصلة في جسم الإنسان جراء تعاطي اللقاح، بعد التأكد من نجاح اللقاح وخلوّه من الآثار الجانبية الخطيرة، يُطلب الإذن الرسمي بتصنيعه وتسويقه من السلطات الصحيّة، ثم يتم بعد هذا إنتاجه وعرضه في الصيدليات والمستشفيات.

هذه الخطوات الحصينة تتطلب فترة زمنية تتراوح بين ستة أشهر إلى أكثر من سنة كاملة! أي لا يمكن للقاح أن يتوفر لعامة الناس قبل هذه الفترة الزمنية المحددة والمطلوبة قسرا.

كلما تعلن المختبرات نجاحها في خطوة من خطوات صنع اللقاح، يتبادر إلى أذهان الناس المتعطشين للأخبار أن اللقاح صار جاهزا ومتوفرا وهذا غير صحيح. قد تستفيد بعض الحكومات من هذا الفهم الخاطئ للناس من أجل تهدئة الشعوب الخائفة من هذا الوباء من جهة، والناقمة على حكوماتها التي لم تتعامل بالشكل الصحيح والناجع في التصدي للوباء ضمن المبادئ الأولية المطلوبة والمُوصى بها من جهة أخرى!

اللقاح إن توفر فهو لن يستخدم لعلاج من أصيب بالمرض، فهو ليس عقارا يشفي المرضى، إنما هو وسيلة لمنع العدوى وصدّ المرض، أي أن المستفيد من اللقاح هم الأصحاء الذين لم يصابوا بالوباء بعد، بعبارة أخرى اللقاح يمنع المرض ولا يشفيه، تماما عكس الدواء الذي يكون فعله بالعكس، فهو يشفي المرضى من مرضهم ولكن لا يستطيع منع العدوى من الوباء.

اللقاح والعقار شيئان مختلفان، فاللقاح يمنع المرض ولا يشفي المريض والعقار يشفي المريض ولا يمنع المرض، وبتوفرهما معا يتم التصدي للوباء
اللقاح والعقار شيئان مختلفان، فاللقاح يمنع المرض ولا يشفي المريض والعقار يشفي المريض ولا يمنع المرض، وبتوفرهما معا يتم التصدي للوباء

ومن أهم العقاقير أو الأدوية التي تداولتها وسائل الإعلام والتي جرّبت بالفعل على بعض المرضى منذ بداية الوباء في الصين هو عقار الـ”كلوروكوين” وقرينه الآخر “هايدروكسي كلوروكوين”، وكلاهما يعتبر عقارا فعّالا لمرض الملاريا وقد أستخدم منذ القدم لهذا الوباء.

وأجرى معهد “ليوبولد العالمي للأمراض المتوطنة” في مدينة أنتويربن البلجيكية اختبارات أخرى تم التحري فيها عن أثر هذا العقار في علاج الأمراض الناشئة عن فايروسي الكورونا والأيبولا وغيرهما. حيث تبيّن ومن خلال الأبحاث أن هناك فعالية لهذا الدواء ضد فايروسات خارج الجسم، غير أن التجارب لم تكن كافية لمعرفة تأثيرها الحقيقي ضد الفايروسات داخل الجسم.

كما أجرت مختبرات البحوث تجارب أخرى استنتجت منها فعالية هذا العقار في علاج بعض أمراض التهابات المفاصل وأمراض المناعة الذاتية حيث كانت النتائج واعدة في ذلك.

وبعد تجربة الصين لهذا الدواء على مرضاها في معالجة الوباء لم ترد استنتاجات واضحة تؤكد صلاحيّته أو فعاليته الحقيقية ضد كوفيد19- بعدُ، رغم أن هناك معلومات مسربة تقول إن هذا العقار قد يخفف من شدة المرض، ولكن ليس هناك ما يؤكد بأنه قادر على شفائه. مهما يكن من أمر، فالجهات الصحية العالمية تنظر بترقب كبير للاستنتاجات الصينية في هذا الصدد والتي ربما ستصدر لاحقا.

الضجة الإعلامية الكبيرة بشأن هذا العقار في كثير من دول العالم قد لا تتناسب مع جوهر الحقيقة، حيث قد تختبئ خلف هذه الضجة دوافع سياسية أو اقتصادية أو نفسيه أو غيرها. كيف نستطيع تفسير التهليل والتبشير بالعلاج وكأنه المنقذ والمخلص من الوباء دون معرفة الحقيقة المستندة على قواعد علمية إحصائية تشير إلى فعالية هذا الدواء وقابليته على شفاء المرضى؟ ثم كيف نفسّر إيعاز بعض الدول لمصانع الأدوية بإنتاج كميات هائلة من هذا الدواء قبل أن نعرف حقيقة فعاليته وصلاحيته في شفاء المرضى؟

إن من بدأ بتبرير صلاحيّة هذا الدواء قبل الأوان سيمضي، دون شك، قدما في تبرير نتائج استعماله على المرضى حتى ولو خالفت الحقيقة! علينا أن ندرك هذه الحقائق والتحقق منها قبل التطبيل لنتائج وفعالية هذا الدواء المكلف ماديا وربما المضرّ صحيّا إذ أن استخدامه لفترات طويلة قد يؤدي إلى آثار جانبية قد يكون بعضها مؤذيا، كأذى في شبكيّة العين والذي قد يصل حدّ العمى، فهل النتائج ستبرر الوسيلة؟

كلما أعلنت المختبرات نجاحها في خطوة من خطوات صنع اللقاح، يتبادر إلى أذهان المتعطشين للأخبار أن اللقاح صار جاهزا وهذا غير صحيح

وأهم الأمور التي يجب أن تثبت كحقائق هي أن المرضى بوباء كوفيد19- ينقسمون إلى النسب التالية حسب أعراضهم وشدة مرضهم، قبل استخدام العلاج المقترح وهي: 80 في المئة من المصابين لا يحتاجون علاجا إنما يعانون فقط من أعراض بسيطة لا تحتم عليهم ملازمة المستشفيات. 15 في المئة من المرضى تتطلب حالتهم البقاء في المستشفى لمدة تسعة أيام على الأقل من أجل المراقبة وعلاج الأعراض المَرَضية الحاصلة لديهم، مثل إعطاء الأوكسجين أو المضادات الحيوية أو غسل الكلى أو غيرها حسب حاجة المريض، بعدها يمتثلون للشفاء التام ويغادرون المستشفيات. 5 في المئة من المصابين فقط يحتاجون عناية مركزه وتكون حالتهم خطيرة حيث يتوفى منهم ما يقارب النصف.

وإذا استخدم علاج “الكلوروكوين” أو رديفه “الهيدروكسي كلوروكوين” فعلى المراقب أن يشاهد اختلافا مميزا وحقيقيّا في هذه النسب، فإن لم تحصل فوارق محسوسة على هذا النحو، فالاستنتاج سيكون واضحا بأن الدواء غير فعّال لهذا الوباء. هذا الاستنتاج مطلب ضروري لأن استخدام هذا العقار لمرضى حالتهم الصحيّة أصلا خطيرة ويحملهم آثارا جانبية إضافية أخرى، وهذا قد لا يكون منطقيّا ومقبولا.

وعلى المستشفيات التي استخدمت هذا العقار كعلاج روتيني للوباء أن تُظهر نتائجها لكي تتم مقارنتها مع النتائج المعروفة من دون استخدام هذا العقار.

ومن الأدوية التي لا يجب إغفالها والتي من الممكن إعطاؤها لمن يبدي أعراضا خطيرة للمرض، المضادات الجسمية “الغلوبيولين المناعي” للفايروس المقصود، وهذه المواد تستخلص عادة من بلازما دم المرضى الذين أصيبوا بفايروس كوفيد14- وتعافوا منه، حيث تستخلص مادة الغلوبيولين المناعي وتحقن للمرضى الجدد خطيري الأعراض حتى تساعد المريض على التصدي والتخلص من الفايروسات المهاجمة.

وربما تكون صعوبة استحصال الغلوبيولين المناعي من المرضى المتعافين والتكلفة الباهظة الملازمة لذلك عقبة هامة أمام استخدامه كوسيلة روتينية متاحة في العلاج.

اللقاح والعقار شيئان مختلفان، فاللقاح يمنع المرض ولا يشفيه والعقار يشفي المرض ولا يمنعه، وبتوفرهما معا يتم التصدي للوباء والتخلص من آثاره.

العقار يتطلب البحث والدراسة لكي تتأكد فائدته في الاستعمال، واللقاح يتطلب الصبر والانتظار من أجل ساعة الوصول، وكلاهما غائب عن الحضور حتى الساعة.

17