علاقات الشباب في السكن المشترك تحكمها المصلحة

غالبية الطلاب الجامعيين في تونس ينتقلون من مدنهم للمدن الكبرى حيث الجامعات والمعاهد في تجربة قد تؤثر على مسار حياة الشاب قليل التجارب.
الأحد 2020/01/19
إضافة جديدة للذات

تونس - يخفف السكن المشترك الذي تفرضه ظروف التعليم أو العمل عن الشاب العبء المادي، كما يعد خيارا مناسبا لمن لا يحبذون الوحدة بعد الخروج من بيت الأسرة. وتعد تجربة السكن مع أشخاص غير أفراد الأسرة تجربة مميزة في حياة الشاب حيث يتعلم منها الكثير من التعويل على نفسه إلى تحمل مسؤوليات الحياة المستقلة، لكنها تجربة قد تؤثر على مسار حياة الشاب قليل التجارب بحكم الدخول في علاقات اجتماعية جديدة قد تفتح الباب على مصراعيه أمام مغامرات غير محسوبة العواقب.

يهم السكن المشترك الشاب أكثر من غيره من الفئات الاجتماعية لأنه في مرحلة بناء مستقبله وتضطره ظروف التعليم أو العمل للخروج من مقر سكن العائلة نحو مدينة أخرى أو بلد آخر للبدء في مرحلة جديدة من حياته. وفي البداية يمثل الاستقرار في السكن نقطة الانطلاق وتشغل هذه النقطة حيزا هاما من تفكير الشاب لأنها تسهل عليه حياته اليومية وتوفر له أرضية للنجاح.

وينتقل غالبية الطلاب الجامعيين في تونس من مدنهم إلى المدن الكبرى حيث الجامعات والمعاهد العليا وتكون المرحلة الطلابية مقترنة عندهم بالسكن المشترك فهم قد يشاركون أشخاصا يعرفونهم أو غرباء عنهم نفس البيت ونفس الغرفة. ويمر بالتجربة ذاتها من يجدون عملا بعيدا عن مقر سكنهم ويدخلون في مرحلة البحث عن سكن وعن شركاء لتخفيف العبء المالي نظرا لغلاء أسعار كراء المنازل خاصة في المدن الكبرى في تونس، لكن هذا لا ينفي وجود شباب وفتيات يختارون السكن الفردي ممن تسمح لهم إمكانياتهم المادية ويفضلون العيش في إطار الاستقلالية التامة والتحرر من كل القيود التي تفرضها مشاركة الآخرين وأيضا من يميلون إلى الوحدة.

هذه المرحلة تعد مرحلة اكتشاف بالنسبة للشاب عموما؛ مرحلة اكتشاف لمكان آخر، لأشخاص جدد ولنمط حياة جديدة يكتسب الطالب أو العامل إبانها العديد من التجارب التي تترك آثارها على شخصيته كأن يتحول من ابن مدلل يأتيه كل شيء يطلبه من دون تعب إلى فرد من المجتمع مسؤول على توفير كل ما يلزمه بنفسه ومطالب أيضا بالنجاح في تعليمه أو في وظيفته.

ويقول حسن السوداني أستاذ اللغة العربية وناشط في المجتمع المدني “إن السكن المشترك يؤثر كثيرا على شخصية وتكوين الشاب خاصة على المستويين الاجتماعي والنفسي فتكوين علاقات جديدة تواكبه نشأة أفكار وسلوكيات جديدة قد تكون خطرة وتهدد الاستقرار النفسي والمسار الدراسي والمهني”.

ويضيف لـ”العرب” “في رأيي يجب أن يكون السكن المشترك تحت إشراف الأولياء خاصة مع أجواء الحريات وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي لأن فكرة التقاء مجموعة من الأفراد في فضاء مشترك قد تولد انحرافات كبيرة وعليه يفترض متابعة سير الشاب، ويتوجب على الولي تحمل تبعات اختلاط ابنه أو ابنته بفئات مختلفة وأنماط تفكير قد تكون شاذة أو متطرفة”.

عبدالحميد بن حمادي: يمكن أن تكون العلاقة بناءة، كما يمكن في الآن ذاته أن تدمر الذات
عبدالحميد بن حمادي: يمكن أن تكون العلاقة بناءة، كما يمكن في الآن ذاته أن تدمر الذات

وتتفتح عينا الشاب في هذه المرحلة على العديد من التفاصيل في السكن وفي مجريات الحياة اليومية التي لم يكن يعرفها أو يهتم بها، ويجد نفسه في حلقة علاقات جديدة مبنية على المشاركة والتبادل وأيضا رسم حدود لكل شيء، ويشكل المسكن أساسا لرسم تقسيم معين للأدوار وللمكان فهناك مساحات مشتركة بين جميع من في نفس البيت مثل المطبخ والحمام، وهناك تقسيم للأدوار وللمصاريف التي تفرضها مستلزمات الأكل والتنظيف وغيرهما.

كما أن هناك مساحات خاصة وهي الغرفة الخاصة وما تحتويه من أثاث وأغراض شخصية وغيرها، ويدرك الشاب أو الفتاة في بداية السكن أن عليه تقاسم أشياء مع شركائه ويعرف أيضا أن عليه وضع حدودا واضحة وقواعد تسهل عليه الاندماج دون أن تأتي على حساب خصوصيته وممتلكاته.وتعتبر آمال، شابة تونسية في عقدها الثالث تعمل في الخليج، أن الجانب المالي وغلاء أسعار كراء سكن فردي يعدان من أهم الأسباب التي تدفع الشاب للسكن المشترك، وتتابع قائلة لـ”العرب” “كانت تجربتي الأولى في السكن المشترك في مرحلة التعليم العالي، حينها انتقلت من مدينتي في الجنوب إلى العاصمة، ووجدت نفسي أتقاسم غرفة صغيرة مع ثلاث طالبات، في البداية لم أستوعب العيش مع أشخاص غرباء ولم أعلم كيف يمكن أن أشاركهن كل شيء حتى أوقات النوم، التي تصبح مضبوطة بوقت معين لعدم إزعاج الأخريات”.

وتضيف آمال “مع مرور الأيام وطول الفترة شعرت أن الأمر فظيع وغير محتمل بالنسبة لي لقد تقيدت حريتي في كل شيء، صحيح أن ما يبدو تنازلات للعيش المشترك يخص تفاصيل بسيطة لكنها بمرور الوقت تصبح مزعجة خاصة عندما تدرك أنك تقوم بها غصبا، وشخصيا كنت أنزعج من مشكلات النظافة فكل المرافق مشتركة، خلافا للفوضى والضجيج والشعور بالمضايقات وقد أضطر لتحمل مزاجية شريكاتي ولسماع مواضيع وحكايات لا تهمني، إلا أنني لا يمكن أن أنكر فضل هذه التجربة في تقوية شخصيتي فقد جعلتني مسؤولة. ولكن في رأيي يظل السكن الفردي أفضل من السكن المشترك”.

ويكون التعايش سهلا في بعض التجارب بين مجموعة الشباب وتطور علاقاتهم وتصبح وطيدة ويكونون مثل العائلة والسند لبعضهم ويستمتعون بالتجربة، لكن في بعض الحالات لا يكون هناك توافق بين الأشخاص الذين يتقاسمون نفس البيت فتنشب بينهم العديد من المشكلات والخلافات قد تصل إلى عواقب وخيمة ومشكلات نفسية تؤثر على الشاب لفترة زمنية طويلة.

ويؤكد المختص في علم النفس والتنمية البشرية عبدالحميد بن حمادي أن الانفتاح على الآخر في أي إطار تفرزه العلاقات الإنسانية يعد إضافة جديدة للذات غير أنها تختلف بحسب درجة وعي الفرد وسنه وثقافته. ويعتبر السكن المشترك من المساحات الاجتماعية التي تسمح للشاب خصوصا بأن يتفاعل مع الآخر بشكل مقنن (القوانين التي يقع من خلالها تسيير الأفراد ضمن هذا الإطار) وهو فضاء ومجال يسمح للشاب بالتموقع في إطار البحث عمن يتقاسم معه مشاغله وتطلعاته بل وأحيانا نقائصه.

ويوضح في حديثه لـ”العرب” أنه قد يكون هذا الآخر مجالا يجد عنده الشاب متنفسا “catharsis” يفرغ فيه كل الأعباء والضغوط ويمكن أن تكون العلاقة بنّاءة إذا كان الآخر له من الوعي ومن رجاحة العقل ما يخول له تأطير ودعم وربما توجيه الطرف المقابل. كما يمكن في الآن ذاته أن يصبح هذا الفضاء إطارا مناسبا جدا لخوض تجارب من شأنها أن تدمر الذات، خاصة إذا كانت شخصية الشاب مضطربة وهي بدورها إفراز لمناخ عائلي مهتز ومتوتر فتجعل من هذا الأخير عرضة للانحراف.

ويردف بن حمادي “الشاب ذو النفسية المهتزة يصبح همه الوحيد البحث عن مجال للتنفيس عن الضغوط والتراكمات التي ترافقه منذ الطفولة ولكن بشكل سلبي كالمخدرات أو الخمر أو غيرها من التجارب السلبية التي يتوهم الشاب أنه يجد ذاته عبرها”، معتبرا أن ما يحمي الشاب في هذا الفضاء المشترك هو ثقته في نفسه ودرجة وعيه الذي يميز من خلاله ما هو جيد وما هو ضار بالنسبة له.

19